قصص و روايات

البيت المسكون

في اليوم التالي، توجّهت ريم فور خروجها من المدرسة إلى منزل الشيخة مباشرة، وألقت بكتاب الشعوذة الخاص بوالدها أمامها، وقصت عليها كل ما شاهدته وعانته حرفياً. قلّبت الشيخة صفحات الكتاب بوجوم، ثم رفعت رأسها وقالت بلهجة جادة:
— وضعكِ اليوم أصبح أخطر بكثير مما توعّدت أو تصوّرت!
سألتها ريم باهتمام ودموعها تنحدر على خدودها:
— أرجوكِ أخبريني، ما الذي يجري بحق الجحيم؟
أجابت الشيخة بتنهيدة ثقيلة:
— والدكِ ارتكب خطيئة كبرى حين قرر عبور عالم السحر والشعوذة؛ فهو لم يكن قوياً بما يكفي لتحمل طاقات هذا العلم المظلم.
سألت ريم بصوت منقبض:
— هل قتلوه الجن لأنه مات أثناء نومه؟
قالت الشيخة بهدوء:
— يمكنك صياغة الأمر هكذا.. لقد استبدل روحه مع قرينه وجعل الجني يحتل جسده البشري.
— لكن أمي أيضاً ماتت بنفس الطريقة تماماً بعد فترة قصيرة من المرض!
— هذا لأنها ارتكبت نفس خطيئة زوجها وسقطت في نفس الفخ.
— وإذا كان كلامك صحيحاً يا خالة، فأين روحهما الآن إذاً؟
— روحاهما محتجزتان إلى الأبد في طبقات عالم الجن السفلي، أما قرائنهما فقد نالا الحياة الأبدية بعد دفنكم لجسدي والديكما، وصار بإمكانهما التنقل بكل حرية في عالمنا البشري المادي.
هتفت ريم بانهيار:
— والله لا يهمني كل هذا اللفظ المعقد.. كل ما يشغلني الآن هو قرينتي اللعينة التي تهدد حياتي وحياة أخي الصغير!
أوضحت الشيخة بحزم:
— القرائن بطبيعتها تمقت بشدة حصر حريتها المطلقة داخل أجسادنا الفانية، ولذلك فهي تتمنى دائماً موتنا الحقيقي لكي تستعيد حريتها المطلقة مثل بقية الجن. ولذلك أنصحكِ بألف طريقة وطريقة أن تعتمدي على نفسك تماماً في كل شيء، وألا تطلبي مساعدتهم أبداً، فالخدمات الشيطانية لا تأتي مجانية أبداً.

وبالفعل، حرصت ريم منذ ذلك اليوم أشد الحرص على ألا تطلب أي مساعدة، وتولت بكل أمانة كافة واجباتها المدرسية والمنزلية الشاقة، فضلاً عن العناية الكاملة بأخيها أحمد دون الاستعانة بأي قوة خفية، الأمر الذي أثار غضب قرينتها التي ظهرت لها لاحقاً مهددة إياها بأنها ستجد حتماً طريقة تجعلها تحتاجها وتتوسل إليها من جديد.

القرية اللعينة (الجزء الثاني: اختطاف أحمد وسيطرة الجن)
مرت الشهور ثقيلة ومحملة بالتوتر والقلق المستمر. وفي صباح أحد الأيام الباردة، رفض أحمد تناول فطوره على غير عادته، وخرج مسرعاً إلى مدرسته دون أن ينطق بكلمة. وحين عاد ظهراً، لاحظت ريم بعين الحذر أنه لم يقرب طعام الغداء، كما أنه امتنع تماماً عن تناول الحلويات والمقرمشات التي يعشقها منذ طفولته.

تسلل الخوف إلى قلبها، ووسوس لها ظنها بأنه ربما استبدل روحه هو الآخر مع قرينه الجني تماماً كما فعل أبواهما من قبل! هعت غاضبة وفتحت باب غرفته بعنف، وأمسكت ذراعيه بقوة وهي تصرخ في وجهه بهستيريا:
— أخرج.. أخرج أيها اللعين من جسد أخي الصغير فوراً!

ثم صفعته على وجهه بقوة مفرطة أدت إلى نزيف دماء من أنفه الصغير. وما إن رأى الدماء تسيل حتى انتبهت ريم لنفسها وأدركت بفزع أنها تسرعت كثيراً في ضربه والاعتداء عليه، بينما كان أحمد واقفاً مصدوماً ومذهولاً من وحشية أخته التي اعتادت طوال عمرها الحنان واللين معه. أطلق أحمد العنان لدموعه وبكى بغضب شديد:
— أنا أكرهكِ يا ريم! أكرهكِ تماماً! هيا.. اخرجي من غرفتي الآن!

حاولت الاعتذار متلعثمة:
— أنا آسفة يا حبيبي.. ظننت أنك..
قاطعها وهو يجهش بالبكاء ويشير بيده إلى الباب:
— قلت لكِ.. اخرجي من غرفتي الآن ولا تقتربي مني!

خرجت ريم وهي مشوشة الفكر والوجدان، وشعرت بتأنيب ضمير قاتل. ولتتأكد من الأمر، قامت بالاتصال بصديقه المقرب في المدرسة لتسأله إن كان أحمد يتناول طعامه بانتظام أم لا. فأخبرها الصديق بأن بعض المتنمرين الأشرار في المدرسة ضايقوه مؤخراً بسبب زيادة وزنه الطفيفة، ولذلك قرر من تلقاء نفسه أن يتبع حمية غذائية قاسية لينحف بسرعة. أدركت ريم حينها أنها جرحت مشاعر أخيها الصغير بعمق ودمرت ثقته دون أي سبب حقيقي!

ومنذ تلك المشاجرة المؤسفة، بدأ أحمد يبتعد عن أخته شيئاً فشيئاً، وصار يلازم غرفته طوال الوقت، وبالكاد يتحدث معها بكلمات معدودة عن يومه الدراسي. إلى أن أتى ذلك اليوم المشؤوم؛ دخلت ريم إلى غرفته لتفاجأ به جالساً برفقة صبي آخر يشبهه تماماً كالشبه بين قطعتي مرآة، لكن بملامح بلاستيكية جامدة تخلو من الروح، فعرفت في تلك اللحظة المرعبة أنه التقى بقرينه وجهاً لوجه!

صرخت ريم بذعر وهلع:
— أحمد.. انتبه جيداً! هذا ليس صديقك.. هذا جني خبيث يريد الاستيلاء على روحك بالكامل!

نظر إليها أخوها ببرود وقال:
— اهدئي يا أختي العزيزة.. هذا صديقي الصدوق، وقد أخبرني بأنه سيأخذني الآن لزيارة منزل أمي الجديد!

صاحت ريم بكل ما أوتيت من قوة:
— أمنا ماتت ودفنت يا أحمد!! هل فقدت عقلك ونسيت؟!

تدخل قرين الأخ بابتسامة صفراء وقال:
— لا يا ريم.. أمكما لم تمت، بل هي موجودة حية ترزق في عالم خفي ودافئ داخل هذه الخزانة.. هيا يا أحمد، دعنا نذهب إليها الآن!

ركضت ريم باذلة كل وسعها لتمنعه، لكن قدميها التصقتا فجأة بسطح الأرض تماماً كأنها سُمّرت بالمسامير، فلم تستطع الحراك أو اللحاق بهما. وشاهدت بأم عينيها كيف فتح القرين باب الخزانة ودخلا معاً، فانغلق الباب خلفهما بقوة ليخرج منه شعاع نور خاطف للأبصار.

وما إن اختفى النور حتى تحررت قدماها من قيدها، فأسرعت كالمهووسة تفتح الخزانة وتبحث بداخلها بجنون، فلم تجد سوى الظلام والفراغ! صارت تنادي على أخيها بعلو صوتها وهي تبكي وتنحب بمرارة:
— أحمد.. يا أحمد! رد عليّ أرجوك!

وفجأة.. ظهر خلفها صوت مألوف وبارد يقول بسخرية:
— ريم.. لماذا تصرخين هكذا بجنون؟ سيسمعكِ الجيران ويظنون أنكِ مجنونة!

التفتت ريم بدهشة مخيفة لتجده هو.. لكنها لاحظت فوراً أن قدميه تبعدان عن سطح الأرض بسنتيمترات عديدة؛ إذ كان يطفو في الهواء بكل خفة! صرخت مفزوعة:
— أنت.. أنت لست أخي.. أنت الجني اللعين!

جلس قرين أحمد على مكتبه المدرسي بكل برود ليباشر حل واجباته المدرسية، والتفت إليها قائلاً بتهكم:
— اهدئي يا فتاة، فأخوكِ يحلق الآن في عالم الجن بسعادة غامرة، وسيحصل هناك على كل ما يشتهيه من حلويات وألعاب باهظة، كما أنه التقى بوالديكِ السعيدين هناك. أما أنا، فسأحتل مكانه هنا في الدنيا، حيث سأصبح أذكى تلميذ في المدرسة بأسرها، وكيف لا وبإستطاعتي معرفة الأسئلة والإجابات قبل موعد الامتحانات بفضل طبيعتي الشيطانية؟ بل يمكنني حتى مساعدتكِ في دراستكِ إن شئتِ! ولن أتعبكِ بعد اليوم بأكلي أو نومي أو استحمامي أو بمرضي المفاجئ؛ فنحن كأرواح موازية سهل جداً العيش معنا صدقيني. ثم عليكِ أن تحمدي ربكِ ألف مرة أنني لا أطمح للخلود وإلا لكنتِ وجدتِ أخاكِ ميتاً مغدوراً كما حدث مع والديكِ! كل ما أريده حقاً هو تجربة العيش كبشري مميز وفريد. والآن.. أرجوكِ دعيني أنهي واجباتي المدرسية، فأمامي مستقبل باهر عليّ الاستعداد له منذ اليوم!

هربت ريم إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها بإحكام شديد وهي ترتجف كالورقة في الريف. وما هي إلا لحظات حتى تفاجأت برأس أخوها الجني يخترق الخشب الصلب للباب بكل سهولة ويقول بسخرية لا تُطاق:
— على فكرة يا عزيزتي.. الأبواب المقفلة والمزلاج لا تصدني أبداً! هل نسيتِ أنني جني ولست بشراً عادياً؟

ثم أطلق ضحكة مجلجلة ومخيفة، تاركاً ريم وحدها ترتجف من شدة الرعب والهلع بعد أن وجدت نفسها حبيسة منزلها مع كائن شيطاني مخيف، فضلاً عن قلقها المبرح والقاتل على مصير أخيها الحقيقي المجهول في عوالم الظلام.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى