قصص و روايات

حماتي قلبت حكايات مني

حماتي قلبت حصالة إزاز فوق راسي، فالفكة وقعت على شعري وكتافي والأرض حواليا وقالت : — ده تمنك يا مريم. لمي كل جنيه واقع على الأرض، وقّعي على الطلاق، واطلعي من البيت ده… أخت جوزي داليا في الضحك، أما جوزي أحمد فكان قاعد على الكنبة، ماسك موبايله، ولا حتى رفع عينه يبصلي.

 

أنا كنت عايشة معاهم في القاهرة بقالى عشر سنين…
عشر سنين وأنا بطبخ، وبشيل مصاريف، وبدفع فواتير تخص العيلة، وبحل مشاكل شغلهم، وفي الآخر أسمع نفس الجملة:
“احمدي ربنا إن عيلة عبدالسلام قبلتك وسطهم.”
من تلات أيام بس، أحمد اتعيّن المدير العام لشركة كبيرة لتوريد قطع غيار السيارات في القاهرة والعاشر من رمضان.
ومن ساعتها، حماتي بقت ماشية في البيت كأن الترقية دي بتاعتها هي… حكايات_مني_السيد
كانت كل شوية تقول:
— خلاص يا حبايبي، إحنا بقينا عيلة كبيرة. ابني بقى مدير عام، ومش أي حد ينفع يبقى مراته.
أما داليا فكانت أوقح منها.
— يا ماما، أحمد دلوقتي قدامه بنات كتير أحسن منها بكتير.
سمعها.
وسكت.
في الليلة دي، استنيت لما بقينا لوحدنا وسألته:
— إنت كمان شايف كده؟
أحمد فك رابطة رقبته، ورماها على الكرسي وقال بضيق:
— أمي بتتكلم كتير وخلاص. متكبريش الموضوع يا مريم.
بس هو ما جاوبش على سؤالي.
وأنا كمان ما سألتش تاني.
لأني من زمان بطلت أجادل.
بدل الجدال، كنت بجمع كل حاجة.
إيصالات، عقود، تحويلات بنكية، سندات، صور مستندات، محادثات، وإثباتات على كل فلوس دفعتها وكل معاملة عملتها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
كان عندي سبعة وأربعين ملف بالظبط.
حماتي ما كانتش تعرف إن الملفات دي موجودة.
بس كان فيه سر أكبر بكتير ما تعرفوش.
هي ما كانتش تعرف مين أبويا الحقيقي.
السبت اللي بعده، قالولي إنهم عايزين “يتكلموا كعيلة”.
لما دخلت الصالة، لقيت تلات حصالات محطوطين على الترابيزة.
بصيت لهم باستغراب.
حماتي أشارت للكرسي اللي في نص الصالة.
— اقعدي هنا.
قعدت.
قربت مني وقالت:
— اقفلي عينيكي.
قبل ما أفهم هي بتعمل إيه، الحصالة الأولى اتقلبت فوق راسي.
الفكة نزلت على شعري وكتافي.
وبعدها التانية.
داليا كانت بتضحك بأعلى صوتها.
أنا وقفت وأنا مش مصدقة اللي بيحصل.
— خلاص! كفاية!
حماتي بصتلي ببرود.
— لسه التالتة.
رفعت الحصالة التالتة، لكن المرة دي ما فرغتهاش فوق راسي.
رمتهالي في وشي.
حافة الحصالة خبطتني في جبيني.
حسيت بحرقة شديدة، وبعد ثواني لقيت الدم بينزل على وشي.
ضحكة داليا اختفت.
— ماما… كده الموضوع زاد عن حده.
حماتي زعقت فيها:
— اخرسي!
وبعدين بصتلي وأشارت للأرض.
— دي فلوسك. دي قيمتك عندنا بعد عشر سنين جواز. لميهم جنيه جنيه، وقّعي على ورق الطلاق، وامشي من هنا.
بصيت لجوزي.
— أحمد… اتكلم.
أحمد بلع ريقه، ورفع عينه أخيرًا.
— مريم… اسمعي كلام أمي. أحسن ما الموضوع يكبر.
ساعتها فهمت كل حاجة.
عشر سنين جواز انتهوا عندهم في كام كلمة.
خلعت دبلة الجواز من إيدي وحطيتها على الترابيزة.
وبعدين حطيت مفاتيح البيت جنبها.
وحطيت بطاقتين بنك كانوا بيستخدموهم في مصاريف البيت والشغل.
حماتي بصتلي باستغراب.
— إنتِ بتعملي إيه؟
ما رديتش.
طلعت موبايلي، وصورت جرح جبيني.
صورت الفكة اللي مالية الأرض.
وصورت الحصالة المكسورة.
وبعدين بصيت لهم للمرة الأخيرة وخرجت.
وراء ضهري، سمعت حماتي بتزعق:
— هترجعي! إنتِ مالكيش مكان تروحيه!

لكنها ما كانتش تعرف إن عندي مكان أرجع له….
في نفس الليلة، وصلت بيت أهلي.
أبويا فتحلي الباب.
أول ما شاف الدم اللي على وشي والجرح اللي في جبيني، ما سألنيش سؤال واحد.
دخلني، وقعدني على الكنبة، وحط قدامي كباية مية.
فضل ساكت.
وأنا طلعت موبايلي وبعتله رسالة قصيرة:
“بابا… خلاص. تقدر تلغي العقد.”
الرسالة ما كملتش دقيقة.
سمعت صوت أبويا جاي من مكتبه:
— بكرة الصبح عايز اجتماع عاجل لمجلس الإدارة. العلاقة مع شركة قطع غيار العربيات دي انتهت.
وقفت مكاني….لأول مرة من ساعة ما خرجت من بيت جوزي، حسيت إني أقدر أتنفس.

حماتي كانت فاكرة إنها طردتني من بيتها بفكة مرمية على الأرض….وأحمد كان فاكر إن منصبه الجديد خلاه أقوى مني.
لكنهم ما كانوش يعرفوا إنهم هما اللي لعبوا أول حجر في الدومينو. واللي وقع بعد كده… كان أكبر بكتير من مجرد طلاق و و و …..؟!!!
حكايات_مني_السيد

في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت خبط شديد على باب بيت أبويا.

كنت لسه حاطة إيدي على الجرح، لما سمعت صوت رجل غريب بيقول:

— أستاذ محمود موجود؟ الموضوع عاجل جدًا.

أبويا خرج من مكتبه، وبعد دقائق دخل ومعاه ملف أسود.

بصلي وقال بهدوء:

— مريم… أحمد اتصل بيا.

قلبي دق بسرعة.

— قال إيه؟

أبويا فتح الملف قدامي، وطلع ورقة.

— بيقول إنك خرجتي من البيت من غير إذنه، وإنك أخدتي بطاقات بنكية ومستندات تخص الشركة.

ضحكت من الصدمة.

— بطاقات هو اللي كان بيستخدمها! وأنا اللي كنت بحط فيها فلوس!

أبويا ما ردش.

بس قلب الصفحة.

كان فيه شيء مكتوب تحت توقيع أحمد.

ولما قريته، حسيت إن الدم وقف في عروقي.

“أقر بأن مريم لا تملك أي حقوق مالية أو إدارية مرتبطة بالشركة.”

بصيت لأبويا.

— هو مضى على ده إمتى؟

أبويا قرب الورقة من عينه وقال:

— من يومين.

سكت لحظة.

ثم أضاف:

— قبل ما حماتك تقلب الحصالة فوق راسك بيوم.

اتجمدت.

يعني اللي حصل ما كانش قرار مفاجئ.

كانوا مخططين لكل حاجة.

لكن أبويا ما خلانيش أتكلم.

فتح درج مكتبه، وطلع ملف أكبر.

وحطه قدامي.

— أنا استنيت عشر سنين عشان أتأكد إنك مستعدة تعرفي الحقيقة.

بصيت للملف.

على الغلاف كان مكتوب اسم عيلة عبدالسلام.

— إيه ده؟

أبويا قال:

— كل تعاملات شركتهم معانا من أول يوم دخل أحمد حياتك.

فتحت أول ورقة.

وبعدها الثانية.

والثالثة.

وفجأة لقيت اسمي مكتوب في مستند قديم جدًا…

تاريخه كان قبل جوازي من أحمد بثمان سنين.

رفعت عيني لأبويا.

— بابا… إيه معنى الورقة دي؟

أبويا أخد نفسًا طويلًا وقال:

— معناها إن أحمد ما وصلش لمنصبه الجديد لوحده.

سكت.

ثم قال:

— وإنتِ تحديدًا… كنتِ السبب اللي خلاه يوصل.

ما قدرتش أتكلم.

وفي اللحظة دي، موبايل أبويا رن.

بص للشاشة.

وبدل ما يرد، قلب الموبايل ناحيتي.

اسم المتصل كان:

أحمد.

لكن قبل ما أبويا يرد، وصلت رسالة جديدة.

قرأتها أنا الأول.

وكانت جملة واحدة:

“مريم… لو أبوكي قالك الحقيقة، اسأليه مين اللي طلب منه يحميني من عشر سنين.”

رفعت عيني لأبويا.

ولأول مرة في حياتي…

شوفت الخوف في عينيه.فضلت باصة لأبويا من غير ما أتكلم.

— بابا… أحمد قال إيه؟

أبويا ما ردش.

موبايله لسه في إيده، ورسالة أحمد قدامنا.

قلت بصوت مرتعش:

— مين اللي طلب منك تحميه من عشر سنين؟

أبويا قام وقف، وقفل باب المكتب بالمفتاح.

الحركة دي لوحدها خلت قلبي ينقبض.

— مريم، قبل ما أقولك أي حاجة، لازم توعديني إنك مش هتروحي لأحمد ولا لأمه.

— ليه؟

— لأنهم مش أخطر حاجة في الموضوع.

اتسعت عيني.

— يعني إيه؟

فتح أبويا الخزنة، وطلع ظرف بني قديم.

كان عليه اسمي.

“مريم محمود عبدالسلام — يُفتح في حالة الانفصال.”

إيدي بدأت ترتعش.

— إنت كنت متوقع إني أطلق؟

أبويا هز راسه.

— لأ… كنت متوقع إنهم في يوم من الأيام يحاولوا يطردوكي من حياتهم.

فتحت الظرف.

جواه صورة قديمة.

أنا وأحمد.

لكن الصورة كانت غريبة.

كنت أنا وقتها في أوائل العشرينات، وأحمد واقف بعيد عني.

وبجانبه رجل ما أعرفوش.

قلبت الصورة.

على ظهرها كان مكتوب بخط أبي:

“الراجل ده هو السبب في إن أحمد دخل الشركة.”

رفعت رأسي بسرعة.

— مين ده؟

أبويا ما جاوبش.

بدل كده، طلع ورقة تانية.

— بصي هنا.

كانت ورقة تحويل بنكي قديمة.

المبلغ كان ضخمًا.

والتحويل خارج من حسابي.

لكن أنا عمري ما عملت التحويل ده.

قلت بصدمة:

— أنا ما مضيتش على ده!

أبويا قال:

— عارف.

— أمال مين؟

قبل ما يكمل، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.

أبويا بص من الشباك.

وشه اتغير.

— وصلوا.

— مين؟

قال وهو بيقفل الستارة بسرعة:

— أحمد… وأمه… وداليا.

قلبي وقع.

— جايين هنا ليه؟

أبويا حط الورق في الظرف وقفل عليه.

ثم قال جملة خلتني أنسى جرح جبيني للحظة:

— لأنهم اكتشفوا إنك أخدتي معاكي أهم دليل كان عندهم.

— أنا؟! أخدت إيه؟

أبويا بصلي في عيني.

— إنتِ ما أخدتيش حاجة يا مريم…

وسكت لحظة.

— إنتِ كنتِ الحاجة اللي هما خايفين تخسرها.

وفجأة…

خبطوا على الباب.

مرة.

مرتين.

وبعدين صوت أحمد من بره:

— مريم! افتحي… لازم نتكلم.

أبويا قرب مني وهمس:

— مهما سمعتي… ما تفتحيش الباب.

لكن قبل ما أقدر أسأله ليه…

جاء صوت حماتي من خلف الباب:

— يا مريم… لو ما فتحتيش دلوقتي، هتندمي على اليوم اللي خرجتي فيه من بيتنا.

ثم ساد الصمت.

وبعد ثوانٍ، سمعت داليا تضحك.

وقالت:

— ماما… هي لسه فاكرة إن الموضوع طلاق

بس.
بصيت لأبويا.

فقال بصوت منخفض جدًا:

— خلاص… هما عرفوا إنك بدأتِ تعرفي.

وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة جديدة على موبايلي من رقم مجهول:

“ما تثقيش في أبوكي.”

ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة:

“لأن أول واحدة خانتك… كانت أقرب واحدة ليكي.”فضلت باصة للرسالتين، ومش عارفة أصدق مين.

أبويا لاحظ التوتر في وشي.

— مين بعتلك؟

ناولته الموبايل.

قرأ الرسالة، وسكت.

— بابا؟

رفع عينه ليا، وقال:

— مترديش على الرقم ده.

— ليه؟

— لأن اللي بعتلك عايز يخليكي تشكي في كل اللي حواليكي.

قلت بعصبية:

— بس هو عارف حاجة إحنا لسه بنتكلم عنها!

أبويا ما ردش.

وفجأة…

الخبط على الباب اتكرر، لكن المرة دي بعنف.

أحمد صرخ من الخارج:

— مريم! أنا عارف إنك جوه!

أبويا اتحرك ناحية الباب.

مسكته من إيده.

— لأ.

بصلي.

— لو خرجت، هتدخل معاهم في مواجهة.

— وإنت هتعمل إيه؟

قال بهدوء:

— هخليهم هم اللي يتكلموا.

فتح أبويا كاميرا المراقبة الموجودة عند باب البيت.

ظهر أحمد وحماتي وداليا.

لكن كان فيه شخص رابع واقف بعيد عنهم.

رجل في الخمسينات تقريبًا.

أول ما شوفته، حسيت بشيء غريب.

قلت:

— بابا… أنا شفت الراجل ده قبل كده.

أبويا اتجمد.

— فين؟

حاولت أفتكر.

ثم فجأة افتكرت.

— في صورة جوا الظرف.

أبويا قفل الشاشة فورًا.

— مريم، اسمعيني كويس. مهما حصل، ما تقربيش من الراجل ده.

— مين هو؟

سكت.

— بابا، مين هو؟

قال أخيرًا:

— الشخص اللي كان أحمد بيشتغل عنده قبل ما يعرفك.

قلبي دق أسرع.

— وإيه علاقته بيا؟

أبويا ما جاوبش.

في اللحظة دي، سمعنا صوت داليا من الخارج:

— يا عمو محمود، إحنا مش جايين نعمل مشكلة.

وبعدها حماتي:

— إحنا بس عايزين مريم ترجع معانا.

ضحكت بسخرية.

— ترجع؟ بعد اللي عملوه؟

أبويا قرب من الباب وقال:

— مريم مش هترجع لأي مكان.

أحمد رد بصوت متوتر:

— عمو… إنت مش فاهم اللي حصل.

أبويا قال:

— أنا فاهم أكتر منك.

سكت أحمد.

ثم قال:

— طيب افتحلي دقيقتين بس.

أبويا ما فتحش.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى