
بنهاية الشهر، وحلول ذكرى ميلاد أحمد، قررت ريم أن تصنع له قالب كعك متواضعاً بمساعدة مقادير بسيطة. وحين تذوقه الصغير، أبدى انزعاجاً وقال بصراحة:
— الكعك ليس لذيذذاً كالعادة.. ليست هذه هي الطريقة التي كانت تصنعها بها أمي!
أجبت بحزن وأسى:
— هذه أول مرة أخبز فيها بحياتي يا أحمد، فحاول أن تكمل صحنك وألا تذمر كي لا نرمي نعمة الله.
تمتم أحمد وهو يعبث بملعقته:
— ليتك طلبتِ من تلك المرأة الغامضة التي تطبخ لنا طوال الأيام الماضية أن تخبز لنا هذا الكعك الاحتفالي.
قالت ريم بمرارة:
— وهل أدري أصلاً من تكون تلك المساعدة الخفية؟
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت تحاول إقناعه، لمحرت ريم بصيصاً من لون أحمر قاني يختفي سريعاً داخل غرفة أمها المغلقة! هبت واقفة كالبرق واندفعت نحو الغرفة لتفتح الباب على مصراعيه، وتفاجأت بوجود فستان أمها الأحمر المميز ملقى بعناية فوق السرير! هنا تملّكها رعب جارف لا يوصف، لأنها تعرف يقيناً أن ذلك الفستان كان معلقاً طوال الوقت داخل خزانة مقفلة بإحكام، فمن ذاك الكائن الذي ارتداه قبل ثوانٍ معدودات؟
-
حماتي قلبت حكايات منيمنذ 20 ساعة
-
حماتي حكايات زيزيمنذ 20 ساعة
-
منذ عاممنذ 20 ساعة
لم تستطع ريم طوال تلك الليلة أن تغمض جفناً. وفي اليوم التالي، توجهت مباشرة إلى مدرستها، وحين انتهت الحصص، سألت معلمتها المفضلة والمقربة منها عن تلك الظواهر الخارقة، فاستمعت المعلمة بإنصات شديد، ثم أعطتها رقم امرأة تُعرف بقدراتها الخاصة وتواصلها مع عوالم الغيب والأرواح.
أخذت ريم الموعد، وحضرت تلك المرأة (الشيخة) في مساء اليوم التالي إلى شقتهما. تجولت الشيخة في أرجاء الغرف ببطء وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وآيات قرآنية حارسة، بينما كان أحمد منشغلاً بمتابعة الرسوم المتحركة في غرفة المعيشة. توقفت الشيخة والتفتت إلى ريم قائلة بجدية:
— أتريدين حقاً معرفة من التي كانت تتولى أمر بيتك ومساعدتك طوال الفترة الماضية؟
أجابت ريم باهتمام ولهفة:
— نعم.. أرجوكِ أخبريني، من هي؟
قالت الشيخة بثبات:
— إنها أمك.. أو بالأحرى، قرينة أمك.
صرخة خفيفة أطلقتها ريم وهي تقول بذهول:
— ماذا تقصدين بالقرينة؟!
أوضحت الشيخة ببرود مخيف:
— لكل إنسان منا قرين يرافقه طوال حياته ولا يموت بموته الفسيولوجي. وقرينة أمك هي التي تجسدت وتقمصت دورها لمساعدتكم بالنيابة عنها. فهل تريدين مني أن أقرأ عليكِ آيات تبعدها تماماً عن طريقكم وتطردها من المنزل؟
ردت ريم بتردد واضح:
— بالطبع أريد ذلك.. ألا يجب أن نتخلص منها؟
قالت الشيخة وهي تتأمل وجه الصبية:
— أرى أنك مترددة وخائفة.. لذا سأسألكِ سؤالاً صريحاً: هل آذتكِ أنتِ أو أخاكِ بسوء طوال هذه الشهور؟
فكرت ريم سريعاً وقالت:
— لا.. لم تأذننا أبداً، بل وفرت لنا الطعام والنظافة والراحة!
أومات الشيخة برأسها وقالت بنبرة حاسمة:
— إذاً يا بنيتي، اتركيها وشأنها، ولا تقومي باستفزازها.
سألتها ريم بقلق:
— أهذا رأيكِ يا خالة؟ ألا تشكل خطراً علينا؟
لم ترد الشيخة، بل غادرت الشقة في صمت مطبق دون أن تبعد تلك الروح المتطفلة عن حياتهما. قررت ريم إثر ذلك ألا تحكي لأحد عما جرى، خصوصاً أخيها الصغير، لئلا يصاب بالجنون رعباً من فكرة العيش مع الأشباح.
لكن الكابوس الحقيقي بدأ تلك الليلة بالذات. حلمت ريم بكابوس مرعب جعلها تصرخ في نومها؛ إذ رأت تلك القرينة تقف أمامها وتخاطبها بنظرات شريرة قائلة:
— لقد خدمتكم بكل هدوء وطاعة لأسابيع طويلة، ولكن بما أنك عرفتِ اليوم حقيقتي وأمر وجودي، فأنا أطالب بثمن أتعابي وجهدي!
سألتها ريم في المنام بوهن وخوف شديد:
— وما هو المقابل الذي تريدينه مني بحق الجحيم؟
أجابت القرينة بابتسامة صفراء مرعبة:
— أريد.. أريد روحيكما أنتما الاثنين!
استيقظت ريم وهي تلهث وتتصبب عرقاً بارداً، وتلفظ أنفاسها بصعوبة بالغة. في اليوم التالي، استغلت يوم عطلتها المدرسية لتنبش في صندوق والدها القديم في الخزانة، فعثرت على كتاب غريب للشعوذة يحمل خط والدها المميز! وتبين لها بما لا يدع مجالاً للشك أن أباها كان يمارس طقوس السحر والشعوذة خفية قبل وفاته المفاجئة بسكتة قلبية أثناء نومه. والأكثر غرابة أن أمها توفيت هي الأخرى أثناء نومها بعد صراع قصير مع مرض خبيث. فهل يا ترى كانت هناك علاقة وثيقة ومظلمة بين ممارسة الشعوذة وموتهما الغامض؟
حاولت ريم تصفح الكتاب وقراءة بعض طلاسمه، لكنها وجدته مكتوباً بلغة سرية غريبة ومبهمة، فأغلقته وهي تشعر بقشعريرة تسري في مفاصلها، متأكدة أن سراً دموياً رهيباً يكمن في ماضي والديها المظلم.
وفي يوم من الأيام، وأمام مرآة الحمام بينما كانت تمشط شعرها الطويل، لاحظت ريم فجأة أن انعكاس وجهها في الزجاج تحول كلياً وبات أشبه بوجه دمية بلاستيكية خالية تماماً من أي مشاعر أو تعابير بشرية! حاولت أن تحرك يديها أو تلتفت إلى الخلف، لكنها وجدت نفسها مشلولة تماماً، وعاجزة عن إبعاد ناظريها عن الانعكاس الذي فتح فمه وتحدث بصوت غريب ليس صوتها:
— أعرف تماماً أنك ترينني وتسمعينني الآن يا ريم.
صاحت ريم في سرها بوجل:
— من أنتِ بحق الله؟!
أجاب الانعكاس ببرود قطبي:
— أنا قرينتك.. الروح الموازية لكِ.
— وماذا تريدين مني الآن؟
— أريد أن نستبدل أماكننا.. تماماً كما فعلت والدتك من قبلك!
صرخت ريم في داخلها بذهول:
— لم أفهم شيئاً مما تقولينه!
وفي تلك اللحظة المفزعة، ظهرت الأم الراحلة فجأة داخل المرآة! اقتربت الأم من قرينة ابنتها ووضعت يدها على كتفها قائلة بصوت أجوف:
— ريم حبيبتي.. افعلي تماماً ما تطلبه منك قرينتك ولا تعاندي.
هتفت ريم بدموع غزيرة تغرق وجهها:
— أمي! أين أنتِ؟ لماذا تتحدثين هكذا؟ أنا حقا لا أعيش الواقع ولا أفهم شيئاً!
اختفت الأم في ومضة، وبقيت قرينة ريم تخاطبها بجدية صارمة:
— الخيار لكِ وحدك يا ريم.. إما أن تتنازلي عن روحك برضاكِ، وإلا سنأخذ روح أخيك الصغير أحمد بدلاً منك!
وما إن انتهت من جملتها حتى اختفت فجأة من المرآة، لتسقط ريم على أرضية الحمام مغشياً عليها من شدة الهلع.








