
في اليوم التالي، ومنذ ساعات الصباح الأولى، عقدت ريم العزم على الذهاب إلى بيت الشيخة لطلب النجدة وطرد هذا الجن الملعون من بيتها المسكون. لكنها تفاجأت بمفاجأة صادمة؛ الباب الخارجي للشقة كان موصداً بأقفال حديدية خفية وغير قابلة للفتح، وكل محاولاتهاستميتاً لفتحه باءت بالفشل الذريع.
وحين سقطت على الأرض يائسة، سمعت قهقهات جماعية ساخرة ومجنوة تصدح في أرجاء المنزل من كل حدب وصوب. التفتت حولها بذعر، فرأت أرواح والدها وأمها وأخيها تقف خلفها تماماً!
-
ما كانت تخفيه ابنتيمنذ 8 دقائق
-
حماتي قلبت حكايات منيمنذ 22 ساعة
-
حماتي حكايات زيزيمنذ 22 ساعة
هتفت ريم بذهول وشوق جارف:
— أبي! أمي! لم أركما منذ سنوات طويلة!
تقدم قرين والدها وقال بصوت أجوف:
— أبوكِ الآن يا ابنتي يعيش معنا ومع أمك وأخيك في عالم الجن الفسيح، حيث لا يوجد مرض ولا تعب ولا أحزان دنيوية، ويمكنكِ الانضمام إلينا متى شئتِ إن أردتِ الراحة الأبدية.
وفي تلك اللحظة انضمت إليهن قرينة أمها التي خرجت من الغرفة المغلقة وهي تقول بابتسامة لزجة:
— لقد التقيت بكِ سابقاً داخل المرآة يا ابنتي، وأظنكِ تذكرينني جيداً.
قالت ريم بغضب مكتوم:
— وماذا تريدين مني أنتِ الأخرى بحق السماء؟!
أجابت قرينة الأم بنبرة حنونة مصطنعة:
— أخبرتكِ مراراً.. نريد استبدال أماكننا بشكل نهائي. وكما ترين يا ابنتي، أصبح بيتكم لنا بالكامل، فلماذا تصرين على المكابرة والبقاء وحدكِ هنا؟ برأيي المتواضع، عليكِ الانتقال فوراً إلى عائلتكِ التي تنتظركِ بشوق بالغ في عالمنا الموازي. ولا تققلي أبداً؛ فأصدقاؤكِ وجيرانكِ لن يلاحظوا غيابكِ الطويل، بل ستبهرينهم بتفوقكِ الدراسي الباهر وسيفتخر أقاربكِ بكِ وبأخيكِ أينما حللتما.
تدخل قرين أحمد قائلاً:
— لقد أخبرتها بذلك بالحرف الواحد البارحة يا أمي.
صرخت ريم بانهيار تام:
— لا.. لا أريد العيش في عالمكم الشيطاني اللعين! أريدكم أن تعيدوا لي عائلتي الحقيقية الآن حالاً!
قاطعتها قرينة والدها بلا مبالاة:
— عودة أمك وأبيكِ إلى الحياة أصبحت مستحيلة تماماً بعد أن دفنتم جسديهما الطينين في المقابر.
هتفت ريم بيأس:
— إذاً.. أعيدوا لي أخي أحمد على الأقل!
رد قرين أحمد ببرود:
— أخوكِ سعيد جداً بحياته الجديدة الجديدة هنا، لكنه مشتاق إليكِ أيضاً.. دعينا نسمعكِ صوته بنفسكِ لتعرفي!
فتح لها باب الخزانة المظلم، ليخرج منه صوت أحمد من أعماق بعيدة وهو ينادي باستغاثة:
— ريم! تعالي إلينا.. فامي وأبي مشتاقان إليكِ كثيراً!
صاحت ريم بذعر وشوق ممزوج بالحيرة:
— أخي!
وقالت قرينة الأم بإلحاح:
— هيا يا ابنتي.. لا تعاندي القدر المقدر، ادخلي إلى الخزانة وانضمي إلى عائلتكِ السعيدة، ودعي ابنتي تأخذ مكانكِ في العالم البشري؛ فقد أحببنا جميعاً حياتكم البسيطة ونريد بشدة تجربة العيش كبشر حقيقيين.
سألت قرينة ريم بتساؤل:
— لكن المشكلة الوحيدة هي أن أمي وأبي لن يظهرا للعلن في شارعنا مثلي ومثل أخي شونا، لأنهما بنظر أهل المنطقة ميتان رسمياً!
قاطخها قرين أحمد عاتباً:
— اسمي أحمد منذ اليوم يا مونا! فلا تناديني باسمي القديم ثانية.
ردت قرينة ريم (مونا):
— آه نسيت تماماً.. علينا التعود بدقة على أسمائنا الجديدة كبشر أحياء. هيا يا ريم، ما هو قراركِ الأخير؟
شعرت ريم كأن قوة خفية تسحبها وتدفعها بخطوات متثاقلة وثقيلة نحو جوف الخزانة المظلمة. وما إن تجاوزت عتبتها حتى أسرعت العائلة الجنية بإغلاق الباب خلفها بقوة وإحكام، لتعلو من الخارج ضحكاتهم الشيطانية الساخرة لنجاحهم الساحق في تحطيم دفاعاتها النفسية المدمرة.
أما ريم، فقد وجدت نفسها تسير مرغمة في ممر مظلم وطويل للغاية، قبل أن تهوي فجأة وتסقط داخل حفرة عميقة سوداء لا قرار لها ولا نهاية!
القرية اللعينة (الجزء الثالث: سجن العوالم السفلية والنهاية)
استيقظت ريم من غيبوبتها المفاجئة لتجد نفسها حبيسة داخل قفص حديدي صدئ، يشاركها فيه أبوها وأمها وأخوها الصغير أحمد، وكان الثلاثة يبكون بحرقة وأسى على مصيرهم المشؤوم.
بعد أن ضمّت عائلتها إلى صدرها بشوق ودموع، سألتهم بقلق بالغ:
— أرجكون أخبروني.. لماذا نحن مسجونون هنا في هذا المكان المرعب؟
أجابها أبوها بصوت مكسور يملؤه الندم:
— كنا نأمل طوال الفترة الماضية أن تكوني أذكى منا وألا تنقادي لإغراءاتهم الشيطانية الخبيثة، لكن يبدو للأسف أننا جميعاً خسرنا المعركة في النهاية!
قالت ريم بجهل مطبق:
— لم أفهم شيئاً.. أي معركة تقصد؟
وفي تلك اللحظة بالضبط، فتح باب القفز وتقدم نحوه جني ضخم بهيئته الحقيقية البشعة والمرعبة، وعلى جسده علامة واضحة كتبت عليها عبارة “حفلات”. وقبل أن يغادر المكان، نظر إلى ريم بابتسامة خبيثة وقال بصوت أجش:
— جهزي نفسكِ جيداً.. سآتي لأخذكِ بعد قليل!
بعد ذهابه، التفتت ريم إلى أمها وهي لا زالت تتألم من أثر حروق طفيفة في يدها، وسألتها بفزع:
— أمي.. ماذا يقصد ذلك الكائن بتلك العلامة؟ وما حكاية الحفلات التي تحدث عنها؟
أجابت الأم وهي تمسح دموعها الغزيرة بطرف ثيابها:
— هذا يعني ببساطة يا ابنتي أن الشياطين قد اختاروكِ لتكوني جارية مرفهة لهم في حفلاتهم الماجنة والفاسقة التي يقيمونها في سراديب العوالم السفلية!
صرخت ريم بصوت هز القفص:
— يا الهي! وماذا عنكِ أنتِ يا أمي؟ كيف تقضين وقتكِ هنا؟
قالت الأم بحزن ممات:
— أنا أقضي وقتي مطيعة لهم.. أطبخ لهم طعامهم المقرف والنتن طوال اليوم والليل.
والتفتت إلى أبيها:
— وأنت يا أبي.. ماذا يفعلون بك؟
رد الأب وهو يطأطئ رأسه خجلاً وعاراً:
— أساعدهم كرهاً في تدبير أعمال السحر والأذى لبعض البشر في العالم العلوي.
هتفت ريم بذهول تام:
— أتساعدهم في إيذاء البشر وهم أهلنا؟!
أجاب بحرقة:
— مكرهاً لا أخيار يا ابنتي.. وإلا فإنهم سيقومون بتعذيبنا وإذنائنا جميعاً أشد عذاب!
ثم نظرت إلى أخيها الصغير وساألته بلهفة:
— وماذا عنك أنت يا أحمد؟
رد أحمد بعصبية وغضب طفولي:
— عليّ طوال الليل أن أقوم بملاعبة أطفال الجن الملاعين وإزعاجهم دون أن أذوق طعم النوم!
سألت ريم بقلب منقبض وخوف عميق:
— هل سنبقى عالقين ومحبوسين في هذا الجحيم للأبد يا أبي؟
وقبل أن يرتد إليه الجواب، عاد الجني المرعب من جديد وفتح باب القفز بقوة، وألقى أمام ريم بدلة وثياباً خاصة بالحفلات الفاسقة، وقال بلهجة آمرة:
— هيا.. ارتدي هذه الثياب بسرعة فائقة، فليس لدينا وقت نضيعه، وعليكِ الرقص فوراً أمام إلهنا الأكبر إبليس!
وبعد أن ارتدت ريم الثياب مرغمة ومهشمة الروح، خرجت معه بخطوات ميتة، تاركة أبويها وأخاها يبكون بحسرة وألم لا ينتهي على مصيرهم المظلم في قاع القرية اللعينة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








