
أول ما شديت عليها في الكلام، البنت انفجرت في العياط بشكل يقطع القلب… دموعها نازلة من غير صوت، وبصالي بنظرة عتاب هزتني من جوة. مرَضيتش تتكلم ولا كلمة واحدة، وفضلت واقفة تعيط بس.
أول ما شفت دموعها نازلة كده، قلبي اتعصر ورِق ليها فجأة. افتكرت على طول اليوم اللي أمها اتوفت فيه، والوعد اللي قطعته على نفسي قدام ربنا إني عمري ما أزعلها ولا أخليها تبكي، وإن كفاية عليها قهر الفقد واليتام اللي عاشته وهي لسه طفلة. حسيت بالذنب الشديد، وقربت منها أخدتها في حضني جامد، وبست رأسها وقولتلها
خلاص يا حبيبتي… خلاص يا بابا براحتك، متزعيش نفسك. انزلي هاتي اللي إنتِ عايزاه.
مسحت دموعها بسرعة وبشكل فوري وكأن شيئاً لم يكن، وجريت على الباب وهي طايرة من الفرحة، ماسكة الفلوس في إيدها بسعادة مش طبيعية، وراحت اشتريت المقص الحاد اللي كانت عايزاه.
أنا لما شفت التحول السريع ده، وقفت في نص الصالة وقولت لنفسي لا… لحد هنا ولابُد أفهم. لازم أعرف السر اللي ورا المقصات دي، والموضوع ده مش هيعدي إلا لما أشوف بعيني.
فكرت بسرعة… بما إن أوضتها لها بلكونة بتطل على الريسبشن، قررت أدخل الأوضة من غير ما تحس واستخبى في البلكونة ورا الستارة، واستناها لما ترجع.
وبالفعل، استخبيت ودخلت ورا الستارة وثبت في مكاني. بعد دقائق، سمعت
صوت فتح باب الشقة. البنت دخلت وهي فاكراني دخلت أنام في أوضتي. قفلت باب الشقة ببطء شديد وبكل هدوء عشان متعملش صوت، ودخلت جري على أوضتها… قفلت باب الأوضة بالمفتاح وهي طايرة من الفرحة والانبساط، وماسكة المقص الجديد في إيدها.
وفجأة… ومن غير ما تعمل أي حساب إن في حد بيبص عليها، عملت أغرب وأعجب حاجة ممكن عقل بني آدم يتخيلها… تصرف غير متوقع بالمرة، حاجة خلتني أتجمد في مكاني من الصدمة، ونفسي يقطع، والدموع تنزل من عينيا وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه قدامي!
ومسكت المقص الجديد بيديها الصغيرتين، وقعدت على أرضية الأوضة وتربعت، وطلعت الشنطة الكبيرة اللي فيها كل المقصات. رصتهم حواليها في دايرة منتظمة، وحطت المقص الجديد في النص كأنه الجوهرة اللي بتكمل العقد.
كل ده وأنا واصل لقمة الذهول، مستني أشوفها هتجرح نفسها، ولا بتقطع حاجة، ولا بتعمل إيه بالظبط؟ لكن التصرف اللي عملته بعد كده هو اللي كسر قلبي حتت.
البنت رفعت راسها للسقف، وبصت للفراغ، وابتسمت ابتسامة دافية مليانة شوق وحنان، وطلعت نبرة صوتها مهزوزة وهي بتقول
أنا جبت مقص جديد يا ماما.. بصي شكله حلو إزاي وخفيف؟ يعني أنتِ النهارده معايا يا حبيبتي، وأقدر أقعد أحكيلك بقى براحتي زي زمان..
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، كأن حد ضربني بمطرق على دماغي! دموعي نزلت بسخونة على وشي، وأنا واقف ورا الستارة ماسك نفسي بالعافية عشان صوت شهقاتي ما يطلعش ويقطع اللحظة دي.
كملت بنتي كلامها وبدأت تتكلم مع الفراغ وبصوت كله طاقة وفرحة
عارفة يا ماما؟ أنا النهارده أخدت الدرجة النهائية في امتحان العلوم! والميس قالتلي إنتِ ممتزة وشاطرة زي مامتك الله يرحمها. وأنا كمان بقيت أساعد بابا في ترتيب البيت على قد ما أقدر، وبقيت أذاكر لوحدي عشان عارفة إنك شايفاني وبتبقي مبسوطة مني لما أنجح..
كانت بتتكلم وتضحك، وأوقات تسكت ثواني وكأنها بتسمع الرد، وترجع تتكلم تاني بحماس شديد، تحكيلها عن أصحابها في المدرسة، وعن الشارع، وعن الطبخ اللي أنا بعملهولها وتضحك وتقولها بس أكل بابا مش زي أكلك يا ماما بس أنا باكل عشان مزعلوش!
أنا ما قدرتش أتحمل أكتر من كده.. ركبي أتسندت على الحيطة، وحسيت إني لو فضلت مستخبي أكتر من كده هقع من طولي. خرجت من ورا الستارة بالراحة، وفتحت باب البلكونة وصوتي مبحوح ودايب في الدموع
حبيبتي…
البنت اتخضت، وبصتلي بسرعة والارتباك ملكها، وحاولت تخبي المقصات ورا ظهرها وهي بتتأتأ
بابا! أنت.. أنت هنا من إمتى؟ أنا.. أنا أسفة والله مش بعور نفسي متزعلش مني!
نزلت على ركبي وجريت عليها، أخدتها في حضني وعصرتها بين إيديا، وقعدت أبكي بكسرة وأنا ببوس راسها وإيديها
-
في حفل تخرج ابنتيمنذ 4 ساعات
-
اعز اصحابيمنذ 5 ساعات
-
السلة اللي غيّرت حياتيمنذ 5 ساعات
-
جارتي كانت جانب بيتيمنذ 5 ساعات








