قصص و روايات

مقص بنتي

سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حبيبة بابا.. أنا مش زعلان منك، بس فهميني يا ندى، إيه سر المقصات دي؟ وليه بتقولي لماما إنك طالما جبتي مقص يبقى هي معاكي؟ فهميني عشان خاطري قلبي هيقف!
ندى مسحت دموعي بإيديها الصغيرة، وبصتلي بعيون بريئة مليانة شجن، وقالتلي بصوت واطي ومكسور
أصل يا بابا.. يوم ما كنا راجعين من عند الدكتور في آخر يوم لماما.. قبل ما توحشنا وتروح عند ربنا.. أنا كنت ماسكة إيدها وبكاي وبقولها أنتِ هتسيبيني يا ماما؟ هتمشي وتسبيني لوحدي؟
سكتت ندى لحظة، والدموع جمعت في عينيها تاني ورجعت كملت
ماما دموعها نزلت، وشدمتني ليها وقالتلي لا يا قلب ماما، أنا عمري ما هسيبك، بس هنعمل حاجة كل ما تعمليها هكون معاكي وبسمعك وتعرفي تحكيلي كل اللي في قلبك.. تروحي لحد غلبان وتراضيه بفلوس صدقة، بس أوعي تقوليله خد فلوس عشان متجرحش مشاعره، اشتري منه أي حاجة وسيبيله الباقي من الفلوس.
أنا كنت بشتعل من جوة، وبسمعها بذهول، فنكمل ندى كلامها
أنا وقتها صبورة ومفهمتش، وسألت ماما يعني إيه غلبان يا ماما؟ أروح لمين؟ فماما شاورتلي من شباك العربية على الراجل اللي قاعد تحت بيتنا في الشارع الجانبي.. الراجل الغلبان اللي رجله مبتورة وبيبيع مقصات أظافر ومقصات ورق صغيرة.. وقالتلي زي الراجل ده كده يا ندى، رجله مقطوعة ومعندهوش شغالة تانية يشتغلها غير دي، ودايماً قاعد في الحر والشتا يحاول يكسب لقمة حلال.. خدي الفلوس دي وروحي اشتري منه مقص خلينا ننفعه، ومتاخديش منه الباقي، وقوليله خلي الباقي عشانك يا عمو.
كلامها نزل عليا ذبحني! الطفلة من براءتها ربطت السر في الفكرة المجردة للمقص، مش بمبدأ الصدقة ومساعدة المحتاج! كانت فاكرة إن المقص هو التلفون اللي بتكلم بيه أمها في الجنة!
دموعي نزلت بغزارة، وأخدتها في حضني تاني وضميتها لصدري بقلب مكسور. مسحت على شعرها وقولتلها بصوت دافي مليان حنية ورضا
يا حبيبتي يا ندى.. يا قلب بابا وأمك.. أمك الله يرحمها كان قصدها جميل أوي، بس أنتِ فهمتي نص القصة بس يا عيون بابا.
ندى بصتلي باستغراب وقالت
يعني إيه يا بابا؟ هي ماما مش بتسمعني لما أجيب المقص؟
رديت عليها وأنا ببتسم من بين دموعي وبمسح وشها
ماما بتسمعك وبتدعيلك في كل وقت لأنك بنت صالحة وبتدعيلها.. بس ماما كان قصدها إننا نعمل الخير ونساعد المحتاجين. والخير يا ندى يا حبيبتي كتير جداً وله طرق كتيرة أوي، مش بس إننا نشتري مقصات! الراجل الطيب اللي تحت بيتنا ده

أكيد كتر خيره وعنده بيته وعياله، بس إحنا لو فضلنا نشتري منه مقصات كل يوم، الأوضة هتتزحم.. لكن إحنا ممكن ننفعه وننفع غيره بطريقة أجمل بكتير، وماما هتبقى مبسوطة منك أكتر وأكتر فوق في الجنة!
ندى عينيها وسعت بشغف وقالتلي
إزاي يا بابا؟ قوللي أعمل إيه وماما تفرح بيا؟
مسكت إيديها الصغيرتين وقولتلها
إيه رأيك نتفق اتفاق؟ الفلوس اللي إنتِ بتحوشيها من مصروفك، أنا هحط عليها مبلغ كرتونة كبيرة حلوة من عندي، وكل أسبوع ننزل السوبر ماركت.. نشتري كرتونة كرتونة خضار وبقال كاملة! نحط فيها سكر، وزيت، ورز، ومكرونة، وكل الحاجات الجملية اللي البيت بيحتاجها، ونحط في الظرف المقفول جواها مبلغ يفك ضيقته.. وننزل في السر، من غير ما حد يشوفنا، ونحط الكرتونة دي قدام باب بيت الراجل ده، أو نبعتهاله من غير ما يعرف مين اللي جابها.. عشان ما نجرحش مشاعره زي ما ماما قالتلك بالظبط!
ندى وشها نور بالكامل، وابتسامتها الملاكية رجعت تنور وشها من تاني وقالتلي بحماس
بجد يا بابا؟! ونشوف فرحته من بعيد؟
قولتلها
سود أمان.. هنقف ورا الشجرة اللي في أول الشارع، ونشوفه وهو بياخدها ويفتحها، وتشوف الفرحة في عينيه وعينين أطفاله.. وبعد ما نعمل كده كل أسبوع، هاخدك في إيدي ونروح ونزور قبر ماما.. تقعدي جنبها، في الهدوء، وتحكيلها كل اللي في قلبك وتدعي لها، وهي هتكون حاسة بيكي ومبسوطة منك جداً لأنك بتعملي اللي هي كانت بتحبه.
البنت نطت في حضني وفضلت تبوسني وهي بتقول
مواقفة يا بابا! مواقفة جداً! كده ماما هتبقى فرحانة بيا أكتر بكتير!
ومن اليوم ده.. اتغيرت حياتنا تماماً.
جمعت مع ندى كل المقصات اللي كانت في الأوضة، واتفقنا نوزعها على جيراننا وقرايبنا، وبدأنا الخطة الجديدة.
كل يوم جمعة، ننزل أنا وندى نجيب الكرتونة الكبيرة، نملأها بالخير والبركة، ونحط فيها ظرف صغير مكتوب عليه هدية من فاعل خير. ونروح بالليل قبل الفجر، نحط الكرتونة قدام باب بيت الراجل الغلبان، ونستخبى ورا الشجرة الكبيرة اللي في أول الشارع.
كنت بمسك إيد ندى الصغار ونفضل واقفين والمطر أو البرد بيخبط فينا، لحد ما الراجل يفتح الباب الصبح عشان يخرج لشغله.. أول ما يشوف الكرتونة، يقعد على الأرض ورجله المبتورة مش شايلاه من الفرحة، ويخرجوا ولاده الصغار يجروا عليه، يفتحوا الكرتونة ويطلعوا منها الأكل واللعب اللي كنا بنحطها لهم، والراجل يرفع إيديه للسما وبيدعي بدموع ورجاء للمحسن اللي بيعمل كده.
في اللحظة دي، كنت ببص لندى.. ألاقي عينيها بتلمع بالفرحة، وابتسامة مالية وشها، وتهمسلي بصوت واطي
شايف يا بابا؟ ماما أكيد شايفانا دلوقتي ومبسوطة أوي.. أنا حاسة بوجودها جنبنا والله!
وبعد ما نطمن إن الخير وصل، كنت باخد ندى من إيدها ونروح للمدافن، نقعد قدام قبر مراتي الله يرحمها.. ندى تقعد تقرأ الفاتحة بصوتها الناعم، وتحكيلها عن الكرتونة وعن المدرسة وعن كل حاجة عملتها في الأسبوع، بقلب هادي ومطمئن، من غير توتر ولا خفاء.
وبكده، بفضل الله وبطريقة دافية، قدرت أنهي مشكلة المقصات اللي كانت مرعباني، وقدرت أحول طاقة الفقد والحزن اللي عند بنتي لخير وجبال من الحسنات اللي نفعنا بيها راجل طيب ومحتاج، وخليت ذكرا أمها عايشة في قلبها بالخير والطاعة، وعرفت ساعتها إن العيل لما يتربى على الحب والصدقة.. بيجيب للبيت كله النور والبركة

مقالات ذات صلة

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى