قصص و روايات

الحصان

أجواء الكانون الباردة في ليلة رأس السنة لم تكن كافية لتجميد المشاعر داخل ذلك القصر العتيق، بل كان الجفاء الإنساني الذي يفوح من جدرانه هو ما يبعث على القشعريرة. كان القصر، بأعمدته الرخامية وثرياته الكريستالية الضخمة، يمثل الإمبراطورية المالية التي بناها الجد عاصم السويدي على مدار عقود، وهي إمبراطورية لم تكن تُدار بالعقل والجهد بقدر ما كانت تُدار بمنطق الطبقية، والتمييز، والنفوذ.

 

وفي تلك الليلة، اجتمعت العائلة بأكملها حول طاولة السفرة المهيبة التي امتدت لأمتار، وتزينت بأفخر أنواع الأطعمة والمشروبات، تحيط بها شجرة كريسماس عملاقة تلمع بآلاف الأضواء وتتكدس تحتها صناديق الهدايا المغلفة بأفخر أنواع الأوراق المخملية والشرائط الحريرية.

على رأس تلك السفرة، كان يجلس الجد عاصم بكامل كبريائه وغروره، وبجانبه زوجته الجدة التي اعتادت على مدار أربعين عامًا أن تكون صدى لصوته، لا تبدي رأيًا ولا تعترض على ظلم. وعلى الجانب الآخر كانت تجلس ابنته الكبرى شيرين وزوجها وأولادها المدللون، يليهم الابن الأصغر مروان، الشاب الذي لم تلوثه حسابات المصالح بعد وكان دائمًا يُنظر إليه على أنه الولد الدرامي أو المتمرد. أما في زاوية باهتة من السفرة، فكان يجلس يحيى، الابن الأوسط، الرجل الذي قامت على أكتافه شرايين هذه العائلة ومصانعها، وبجانبه ابنته الصغيرة نور، طفلة الثامنة سنوات، التي كانت ترتدي فستانًا أزرق سماويًا اختارته بعناية لتلك المناسبة، وتحمل في يدها الصغيرة كارت معايدة صنعتها بنفسها، رسمت فيه بألوان خشبية بسيطة كل أفراد

العيلة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض، يظللها خط صغير كتبت فيه ببراءة طفولية بحبكم كلكم.
بدأت مراسم فتح الهدايا، وتحولت الصالة إلى ساحة من التفاخر والتباهي؛ فأولاد شيرين كانوا ېمزقون الأوراق بلهفة لتظهر أحدث أجهزة الألعاب الإلكترونية، ودراجات جبلية فاخرة، وهواتف ذكية لم تنزل الأسواق إلا منذ أيام، وحتى كلب العائلة المدلل نال نصيبه من البذخ، حيث أحضرت له شيرين  حريريًا مبطنًا وطوقًا جلديًا مطرزًا بخيوط الذهب يحمل اسمه. كانت نور تراقب المشهد بعيون تلمع بالبراءة، وتنتظر بشغف اللحظة التي سينادي فيها جدها على اسمها ليعطيها هديتها.

وعندما الټفت الجد صوب الكيس الأخير المتبقي تحت الشجرة، كان كيسًا ورقيًا قديمًا ومكرمشًا، التقطه بإصبعين وكأنه يمسك شيئًا ملوثًا، والقى به على الطاولة لتستقر أمام نور. تراجعت الضحكات قليلًا، وتقدمت نور بخطوات متأرجحة متحمسة، وفتحت الكيس لتجد في داخله حصانًا بلاستيكيًا صغيرًا، مكسور القوائم، ينقصه رجل كاملة، ومكتوب على جسده وشعره خطوط عشوائية بقلم ماركر أسود.

نظرت نور إلى اللعبة المکسورة، ثم نظرت حولها، وظنت في بادئ الأمر أن الأمر مجرد دعابة من الكبار، فسألت والدها ببراءة طفولية تقطع الأنفاس فين هديتي الحقيقية يا بابا؟ دي أكيد هزار… صح؟. انحنى يحيى لمستواها، واعتصر قلبه ألمًا لم يذق مثله قط؛ كان يتمنى في تلك اللحظة أن يملك القدرة على اختراع أي كڈبة بيضاء يرمم بها انكسار روحها، لكن نظرات أبيه المتحدية وجفاف الأجواء من حوله جعلاه يدرك الحقيقة المرة، فبلع غصته وقال بصوت متحشرج لأ يا حبيبتي… مفيش هدية تانية. شعرت نور ببرودة تسري في أطرافها، واهتزت شفايفها الصغيرة، وتحولت ملامح الفرح على وجهها إلى غيمة من الذهول،  الحصان  بقوة فوق فستانها الأزرق وكأنها تحمي نفسها من قسۏة المكان. وهنا، رفع الجد عاصم كأسه بكل برود وغرور، وقال بصوت جهوري سمعه كل من في القاعة الهدايا الغالية بتكون للي هيكملوا اسم العيلة ويحافظوا عليها. كانت جملته إشارة صريحة إلى

لأول مرة في حياته، أن الحصان المكسور لم يكن مجرد لعبة أهينت بها طفلة، بل كان الرمز الحقيقي لبيته وإمبراطوريته التي بناها على الظلم، فتهاوت وانمحت بمجرد أن قرر عمودها الفقري أن يستدير ويمشي.
مرت ثلاث سنوات كاملة على تلك الليلة العاصفة التي انطفأت فيها أنوار قصر السويدي، ثلاث سنوات تحولت فيها حياة يحيى وابنته نور من  إلى الانتصار، بينما كانت إمبراطورية الجد عاصم تهوي إلى قاع سحيق لم يتخيله أحد. لم يكن خروج يحيى من القصر مجرد رد فعل عاطفي، بل كان خطوة مدروسة من رجل كان يدرك تمامًا حجم قوته وحجم الفراغ المرعب الذي سيتركه خلفه. في  بسيطة وهادئة غمرتها أشعة الشمس ونباتات الزينة التي تحبها نور، بدأ يحيى من الصفر،

أسس شركته الاستشارية الخاصة التي أطلق عليها اسم نور للاستشارات الماليّة والقانونية. ولم يكن الاسم مجرد لفتة عاطفية، بل كان إعلانًا للعالم بأن هذه الطفلة التي استصغروها هي الملهمة والدافع الوحيد وراء كل خطوة يخطوها نحو النجاح.
في هذه الأثناء، تحول الحصان البلاستيكي المكسور من رمز للإهانة إلى أيقونة ملهمة؛ فقد وضعه يحيى داخل صندوق زجاجي فاخر على مكتبه الرئيسي في الشركة الجديدة، ليكون أول ما يراه كل عميل، وكل مستثمر

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى