
كنت عندي واحد وتلاتين سنة لما جوازي انتهى بشكل خلاني أحس إن الدنيا كلها قفلت في وشي. جوزي ماكانش قادر يتقبل حالتي، وكل يوم كان بيبعد عني أكتر، لحد ما في الآخر وقف قدامي وقال بمنتهى الهدوء: «إنتِ مش هتقدري تديّني العيلة اللي أنا عايزها.» قالها وهو مش قادر حتى يبص في عيني، وبعدها ساب البيت ومشي. وقتها كنت مقتنعة إن حلم الأمومة انتهى بالنسبة لي.
-
في حفل تخرج ابنتيمنذ 3 ساعات
-
اعز اصحابيمنذ 4 ساعات
-
جارتي كانت جانب بيتيمنذ 4 ساعات
-
مقص بنتيمنذ 4 ساعات
لكن صباح يوم، وأنا في بيتي في المنصورة، سمعت خَبطة قوية على الباب.
طلعت أجري وأنا متوقعة ألاقي حد واقف بره.
فتحت الباب…
محدش كان موجود.
بصيت يمين وشمال، لكن الشارع كان هادي.
وفجأة سمعت صوت عياط خافت.
نزلت عيني على الأرض، واتصدمت.
كان فيه طفلين رضّع، ولدين صغيرين جدًا، نايمين جنب بعض جوه سلة خوص كبيرة، متحطوطة قدام باب بيتي.
إيدي بدأت تترعش من الصدمة.
طلعت موبايلي، ووقع مني مرتين قبل ما أعرف أتصل بالشرطة.
الشرطة جت، وبعدها الإسعاف أخدوا الطفلين المستشفى عشان يطمنوا عليهم.
فضلنا ندور على أمهم أو أي حد يكون ليه علاقة بيهم، لكن محدش ظهر.
محدش عرف هما مين، ولا مين اللي سابهم، ولا ليه اختار باب بيتي بالذات.
الطفلين اتحطوا في دار رعاية مؤقتة، لكن أنا مقدرتش أبعد عنهم.
كنت كل شوية أروح أزورهم.
مرة ورا مرة.
وأسبوع ورا أسبوع، قلبي اتعلق بيهم أكتر.
كنت كل ما أشوفهم نايمين جنب بعض أحس إن ربنا حطهم في طريقي لسبب.
وفي يوم، أخدت القرار اللي غيّر حياتي كلها.
قررت أتبناهم.
عدت شهور طويلة من الإجراءات والمحاكم، لحد ما جه اليوم اللي كنت مستنياه.
القاضي بصلي بابتسامة وقال:
«مبروك… بقوا ولادك.»
دموعي نزلت من غير ما أحس.
سميتهم «كريم» و«ياسين».
ومن اليوم ده، بيتي اللي كان هادي وفاضي بقى مليان حياة.
بقى فيه عياط أطفال.
ضحك.
ألعاب مرمية في كل حتة.
هدوم صغيرة متعلقة.
ليالي كنت بصحى فيها عشر مرات عشان واحد فيهم تعبان.
وبعدها السنين جريت.
أول يوم مدرسة.
أول مرة واحد فيهم وقع واتعورت ركبته وجري عليّا وهو بيعيط.
حفلات المدرسة.
خناقات المراهقة.
أول نجاح حقيقي ليهم.
يوم التخرج.
وبعدين لحظة ما كل واحد فيهم جالي بجواب قبوله في الجامعة.
كنت ببص لهم وأقول لنفسي:
«أنا فعلًا بقيت أم.»
الولدين بقوا كل حياتي.
ماكنتش شايفة نفسي ست قصيرة أو مختلفة أو محرومة من الأمومة.
كنت شايفة نفسي أم كريم وياسين وبس.
لحد ما عدّى عشرين سنة.
وفي يوم جمعة، كريم وياسين رجعوا البيت فجأة من غير ما يقولولي إنهم جايين.
كنت فرحانة جدًا أشوفهم.
عملت لهم الأكل اللي بيحبوه، وقعدنا على السفرة.
لكن من أول دقيقة، حسيت إن في حاجة غريبة.
كريم كان ساكت.
وياسين مش قادر يرفع عينه في عيني.
ولا واحد فيهم كان بياكل تقريبًا.
سألتهم:
«مالكوا يا ولاد؟ حصل إيه؟»
محدش رد.
فضل الصمت تقيل على السفرة.
لحد ما كريم حط الشوكة قدامه ببطء.
وبصلي وقال:
«ماما… إحنا بقالنا شهور بنحاول نعرف نقولك إيه.»
قلبي اتقبض.
قلت:
«تقولولي إيه؟ خوفتوني.»
كريم خد نفس طويل، لكنه ماقدرش يكمل.
فجأة ياسين قام من على الكرسي ومشي ناحية الطرقة.
استغربت.
«رايح فين يا ياسين؟»
ما ردش.
وبعد أقل من دقيقة رجع.
بس المرة دي كان شايل حاجة كبيرة بين إيديه.
حطها قدامه على السفرة.
وأنا أول ما شوفتها…
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
كانت سلة خوص.
سلة قديمة ومتهالكة.
بصيت للبطانة الباهتة.
للمقبض اللي اتقطع جزء منه.
لشكل السلة نفسه.
عرفتها في ثانية.
دي كانت نفس السلة.
نفس السلة اللي لقيت كريم وياسين نايمين جواها قدام باب بيتي من عشرين سنة.
صوتي خرج بالعافية:
«إنتوا جبتوا السلة دي منين؟»
الاتنين سكتوا.
كريم بص لإيديه، وعينيه كانت مليانة دموع.
وبعدين رفع وشه وبصلي.
قال بصوت مكسور:
«ماما… أوعدينا إنك مش هتكرهينا.»
اتخضيت.
«أكرهكم؟! إنتوا بتقولوا إيه؟»
ياسين قرب مني، وقعد على الكرسي.
كريم مسح دموعه وقال:
«إحنا مخبيين عنك حاجة بقالنا سنين…»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
بصيت للسلة، وبعدين بصيت لهم.
«حاجة إيه؟»
كريم بلع ريقه.
وبص في عيني مباشرة.
«الحقيقة اللي ورا السلة دي… هتغير كل حاجة إنتِ مصدقاها عن اليوم اللي لقيناك فيه.»
اتجمدت مكاني.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن الولدين اللي ربيتهم عشرين سنة كانوا عارفين سر عن بداية حياتهم…
وأنا الوحيدة اللي ماكنتش أعرفه.
حكايات شروق خالد
كريم مد إيده ناحية السلة، ومرر صوابعه على المقبض القديم كأنه بيلمس حاجة من ماضي بعيد.
وقال بصوت واطي:
«ماما… السلة دي ماوصلتش لينا بالصدفة.»
بصيت له وأنا مش فاهمة.
«يعني إيه؟»
ياسين قام وقفل باب الصالة، ورجع قعد قدامي.
قال:
«إحنا عرفنا الحقيقة من كام شهر.»
حسيت بقلبي بيغرق.
«أي حقيقة؟»
كريم طلع ظرف بني قديم من جيبه، وحطه قدامي على السفرة.
«الورق ده كان مستخبي عند جدتنا.»
اتجمدت.
«جدتكم؟»
هز راسه.
«أيوه.»
فتحت الظرف بإيدين بتترعش.
كان جواه صور قديمة، وشهادة ميلاد، وكام ورقة مكتوبة بخط إيد.
قلبي وقف لما شفت أول صورة.
كانت لست شابة شايلة طفلين رضّع.
والست دي…
كانت شبه كريم وياسين بشكل يخض.
رفعت عيني ليهم.
«دي… أمكم؟»
كريم هز راسه ببطء.
«أيوه.»
دموعي نزلت.
«بس إنتوا قلتوا إن محدش عرف مين أمكم.»
قال ياسين:
«ده اللي قالوهولنا طول عمرنا.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«لكن الحقيقة إن أمنا كانت عايشة.»
2
السلة اللي غيّرت حياتي ج1 حكايات شروق خالد
«عايشة؟!»
كريم مسك إيدي.
«وكانت عارفة إحنا فين.»
بصيت له بعدم تصديق.
«يعني كانت عارفة إني تبنيتكم؟»
«أيوه.»
حسيت الدنيا بتلف بيا.
فتحت الورقة اللي كانت جوه الظرف.
وكان فيها سطر واحد مكتوب بخط واضح:
“لو أنا مقدرتش أرجع لهم، خليهم يوصلوا للست اللي كانت مستعدة تحبهم أكتر مني.”
بصيت لكريم.
«إيه معنى الكلام ده؟»
كريم دموعه نزلت.
«معناه إن أمنا هي اللي حطتنا قدام بابك.»
سكتت.
مش عارفة أتكلم.
مش عارفة حتى أتنفس.
«إنتوا بتقولوا إن أمكم هي اللي سابتكم قدام بيتي؟»
ياسين هز راسه.
«مش بس كده يا ماما.»
وأشار للسلة.
«هي كانت بتراقبك قبل اليوم ده.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
«ليه؟»
كريم فتح صورة تانية.
الصورة كانت ليا أنا.
أنا واقفة قدام دار الرعاية، وأنا شايلة واحد منهم وهو رضيع.
اتخضيت.
«الصورة دي اتصورت إمتى؟»
قال:
«بعد ما دخلنا الدار بأيام.»
«ومين صورها؟»
كريم سكت.
وبعدين قال:
«أمنا.»
فضلت أبص للصورة وأنا مش مصدقة.
عشرين سنة.
عشرين سنة وأنا فاكرة إن طفلين اتسابوا قدام بابي بالصدفة.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
وفجأة ياسين قال:
«ماما… فيه حاجة أهم.»
بصيت له.
مد إيده لجيب جاكتته وطلع موبايله.
فتح تسجيل صوتي.
ضغط تشغيل.
في البداية مفيش غير صوت نفس متقطع.
وبعدين سمعت صوت ست بتتكلم وهي بتعيط.
صوت قديم ومبحوح.
لكن أول جملة قالتها خلت جسمي كله يتجمد:
«لو التسجيل ده وصل لكريم وياسين… يبقى أنا فشلت إني أوصل لهم بنفسي.»
حطيت إيدي على بقي.
الصوت كمل:
«أنا مش سبت ولادي عشان مش عايزاهم… أنا سبتهم عشان أنقذهم.»
كريم بصلي.
وأنا حسيت إن فيه سر أخطر من كل اللي سمعته لسه مستخبي.
الصوت قال:
«الراجل اللي كان بيدور عليهم ماكانش عايزهم يعيشوا… وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل لهم.»
وبعدين حصل صمت ثواني.
ثم قالت:
«والست اللي اسمها… كانت الوحيدة اللي عرفت إني أقدر أثق فيها.»
التسجيل وقف.
بصيت لهم وأنا مش قادرة أتكلم.
كريم قال:
«ماما… الست دي كانت إنتِ.»
ساعتها فهمت إن وجودي في حياتهم ماكانش مجرد صدفة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه…
إن الشخص اللي كانت أمهم بتحاول تحميهم منه، كان أقرب لينا مما أتخيل.
وفي اللحظة دي بالذات…
جرس الباب رن.
حكايات شروق خالد
3
السلة اللي غيّرت حياتي ج2 حكايات شروق خالد
جرس الباب رن مرة تانية، المرة دي بعنف خلى الثلاثة اتنفضوا.
بصيت لكريم وياسين.
«إنتوا مستنيين حد؟»
الاتنين هزوا راسهم بالنفي.
كريم قام بسرعة واتجه للباب.
مسك المقبض، لكنه قبل ما يفتحه بصلي وقال:
«ماما، مهما حصل… ما تبعديش عننا.»
الجملة دي خوفتني أكتر من رنة الجرس نفسها.
كريم فتح الباب.
كان واقف قدامنا راجل كبير في السن، لابس جلابية غامقة، وفي إيده عصاية.
أول ما شافه كريم، وشه اتغير.
قال بصوت مخنوق:
«إنت؟»
الراجل بص له وقال:
«كبرت يا كريم.»
ياسين وقف جنب أخوه.
«إنت تعرفنا منين؟»
الراجل دخل خطوة، وبص لي.
وأول ما عينه وقعت عليّا، وقف مكانه.
وشه اتغير تمامًا.
وقال:
«هي… لسه عايشة هنا؟»
قربت منه وأنا متوترة.
«حضرتك مين؟»
ما ردش.
بدل ما يجاوب، بص للسلة اللي على السفرة.
ولما شافها، تنهد وقال:
«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»
كريم شد إيده.
«إنت كنت تعرف أمنا؟»
الراجل سكت لحظة.
وبعدين قال:
«أنا كنت آخر واحد شافها قبل ما تختفي.»
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
«هي فين دلوقتي؟»
بص لي بحزن.
«مش عارف.»
«يعني إيه مش عارف؟»
«اختفت من عشرين سنة.»
ياسين قال بعصبية:
«وأنت كنت فين طول السنين دي؟»
الراجل بص للأرض.
«بدور عليها.»
كريم قرب منه.
«وليه؟»
رفع عينه وقال:
«لأنها كانت أختي.»
الصمت نزل على البيت كله.
أنا بصيت له وأنا مش مستوعبة.
«يعني أنت خالهم؟»
هز راسه.
«أيوه.»
وقعد على أقرب كرسي كأنه شايل حمل عشرين سنة فوق ضهره.
قال:
«أم كريم وياسين كانت اسمها سارة.»
أول مرة أسمع اسمها.
كريم همس:
«سارة…»
الراجل كمل:
«كانت بنتي الصغيرة في نظر قلبي، حتى لو كانت أختي. ولما ولدت الولدين، كانت فرحانة بشكل مايتوصفش.»
سألته:
«طب ليه سابتهم؟»
غمض عينه.
«عشان أبوهم.»








