قصص و روايات

ثلاثة أطفال توائم متطابقين

كانت غرفة المعيشة مظلمة قليلًا لكنها مرتبطة ونظيفة.
مروحة سقف تدور ببطء فوقهما، بينما بدأ ورق الجدران المزهر يتقشر قليلًا في أحد الأركان.
فوق رف المدفأة مباشرة كانت هناك ثلاثة إطارات فضية متطابقة تمامًا.
واحد لكل طفل.
داخل كل إطار نفس الصورة المدرسية: وجوه مستديرة، عيون داكنة، وابتسامات طفولية متشابهة تكشف صفوفًا من الأسنان الصغيرة.
لم يكن الزمن رحيمًا بتلك الصور.
تلاشت الألوان قليلًا مع السنوات، لكن ملامح الأطفال بقيت واضحة كما لو أنها تقاوم النسيان.
جلست إيلين مقابل لايا بهدوء، ووضعت يديها فوق بعضهما في .
رفعت نظرها أخيرًا نحو لايا، وبدا أن كلمات كثيرة تحاول الخروج دفعة واحدة.
ثم سألت بصوت يحمل ارتعاشًا واضحًا:
“هل يمكنني أن أراها؟”
مدّت لايا يدها داخل حقيبتها ببطء، ثم أخرجت صورة البولارويد القديمة وقدمتها لإيلين، التي أخذتها بثبات واضح في يديها، بينما خيم صمت طويل داخل الغرفة.
لم يتغير تعبير وجه إيلين في البداية، لكن عينيها ظلتا تتحركان فوق الصورة مرة بعد أخرى، كأنها تبحث عن تفصيلة جديدة قد تخبرها شيئًا لم تلاحظه من قبل.
بعد لحظة طويلة همست أخيرًا بصوت متحشرج قليلًا:
“هذه الصورة التُقطت في اليوم السابق.”
ثم أشارت بإصبعها إلى الطفل الذي يقف في المقدمة وقالت:
“هذا مايلز… كان يقف بهذه الطريقة دائمًا.”
توقفت للحظة قبل أن تكمل، بينما بدا أن الكلمات تحاول الخروج بصعوبة من صدرها.
“أما دانيال… فهو الذي اختار تلك السترات بنفسه.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة وأضافت:
“كانوا يقولون إن اللون الأحمر هو لون الأبطال الخارقين.”
مررت إبهامها ببطء فوق حافة الصورة، وكأنها تتوقع أن تصبح دافئة تحت لمستها إذا استمرت في الإمساك بها قليلًا.
ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
“كان لدي هذه الصورة نفسها… كنت أعتقد أنها ضاعت منذ سنوات طويلة.”
أجابت لايا بلطف:
“لقد كانت مخبأة خلف جدار في المرآب.”
ثم أضافت:
“داخل صندوق خشبي مع بعض أغراضهم.”
رفعت إيلين رأسها ببطء شديد ونظرت مباشرة إلى لايا قبل أن تسأل:
“في ذلك المنزل؟”
هزت لايا رأسها بالإيجاب.
أغمضت إيلين عينيها للحظة طويلة، وكأنها تسترجع سنوات كاملة في تلك الثواني القليلة.
ثم قالت بصوت منخفض:
“لسنوات طويلة كنت أمر أمام ذلك المنزل محاوِلة أن أتذكر من كان يعيش فيه.”
توقفت قليلًا قبل أن تضيف:
“لكنني لم أفكر أبدًا في تفتيشه بعد وفاة فيرنون هيل.”
كررت لايا الاسم بدهشة:
“فيرنون هيل؟”
أجابت إيلين ببطء:
“كان الرجل الذي يعيش هناك في ذلك الوقت، رجل مسن قليل الكلام، يعيش وحده منذ أن فقد زوجته قبل أن ننتقل نحن إلى هذا الشارع.”
شعرت لايا بأن نبض قلبها بدأ يتسارع فسألت فورًا:
“هل تم التحقيق معه يومها؟”
هزت إيلين رأسها ببطء وقالت:
“لا، كان لديه حجة غياب، وكان شخصًا محترمًا في الحي، لذلك لم يشك فيه أحد.”
ثم عادت تنظر إلى الصورة في يديها مرة أخرى قبل أن تضيف:
“لكنني… كنت أتساءل دائمًا.”
تنهدت بهدوء ثم قالت:
“كان لديه كلب اسمه بروتس.”
وابتسمت ابتسامة حزينة وهي تكمل:
“كان أطفالي يحبون ذلك الكلب كثيرًا، وكنت أراهم أحيانًا يداعبونه على الرصيف رغم أنني كنت أحذرهم دائمًا من التحدث مع الغرباء.”
ثم رفعت نظرها فجأة نحو لايا، بعينين صافيتين بشكل غريب جعل القشعريرة تسري في ظهرها.
وقالت ببطء واضح:
“السيدة راميريز… ذلك الجدار لم يُغلق صدفة.”
توقفت لحظة قبل أن تضيف بنبرة أكثر حسمًا:
“تلك الأشياء لم تُترك هناك بالخطأ.”
ثم قالت الجملة الأخيرة بوضوح جعل الهواء في الغرفة يبدو أثقل:
“لقد أخفاها شخص ما… عن قصد.”
لم تنم إيلين كوبر تلك الليلة.
تركت صورة البولارويد فوق طاولة السرير، بينما ظلت مستلقية تحدق في السقف، ويدها تمتد نحو الصورة بين الحين والآخر وكأنها تخشى أن تختفي إذا تركتها وحدها.
كانت أصابعها تمر فوق حواف الصورة برفق شديد، كأنها تحاول إحياء تلك اللحظة الصغيرة المجمدة منذ ثلاثين عامًا بلمسة واحدة فقط.
لكن الشيء الذي كان يطاردها تلك الليلة لم يكن مجرد الذكريات.
بل فكرة واحدة فقط.
فكرة لم تسمح لنفسها بتصديقها طوال ثلاثين عامًا.
ماذا لو… لم يختف الأولاد كما اعتقد الجميع؟
عند الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا، خرجت إيلين حافية القدمين إلى الحديقة خلف منزلها، حيث لم تزرع شيئًا منذ سنوات طويلة بعد أن توقفت الورود عن التفتح.
جثت على ركبتيها فوق التراب، وضعت الصورة بجانبها، ثم همست في الظلام:
“قلت لهم جميعًا…”
توقفت لحظة قبل أن تضيف بصوت مكسور:
“لم يكونوا مجرد أطفال ضائعين.”
مرت الرياح بين الأشجار بهدوء، بينما نبح كلب بعيد في الشارع.
وقفت إيلين ببطء.
وللمرة الأولى منذ خمسة عشر عامًا، انحنت إيلين في حديقة منزلها وبدأت تقتلع الأعشاب اليابسة بيديها.
بحلول منتصف الصباح، عاد بن ولايا إلى المنزل رقم 214، وما زالا يشعران بالذهول مما اكتشفاه داخل الجدار، وكأن الاكتشاف غيّر نظرتهم بالكامل إلى المكان.
بدا المنزل مختلفًا الآن، أثقل بطريقة غريبة، كأن الجدران نفسها أصبحت تحمل عبئًا قديمًا ظل مخفيًا لسنوات طويلة قبل أن يُكشف أخيرًا.
كل صرير في ألواح الأرضية، وكل أنين خافت صادر من الأنابيب القديمة، بدا وكأنه همسات باهتة تركها أشخاص لم يكن من المفترض أن يختفوا أو يُنسوا.
جلس الاثنان في غرفة الطعام أمام أكواب القهوة التي بردت ببطء، دون أن يلمسها أي منهما، بينما ظل الصمت يملأ الغرفة.

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى