قصص و روايات

اخت جوزي بقلم زهرة

لما الشمس طلعت وجوزي نزل شغله من غير ما يكلمني، قمت أخدت نفس عميق. دخلت لولادي الثلاثة، ياسين ومريم ونور، وقعدت وسطهم على الأرض. أخدتهم في حضني وطمنتهم، وبدأت أدرّسهم درس العمر، بس مش بأسلوب الأوامر والخصام، لكن بأسلوب يفهموه وتحفظه عقولهم الصغيرة.

قلت لهم بابتسامة دافية: “يا حبايبي، هو أنتم بتحبوا طنط أماني عشان الحلويات واللعب، صح؟ بس أنتم عارفين إن البيت بتاعنا ده له سور كبير أوي مش مرئي؟ السور ده جواه أسرارنا، ولما حد بيحاول يتجسس أو يسأل عن حاجات جوة البيت، بيبقى زي اللي بيحاول يسرق حاجة مش بتاعته. وعشان أنتم شطار وأقوياء، إحنا هنعمل لعبة جديدة اسمها (لعبة الحارس الذكي).”

العيال فتحوا عنيهم بشغف، وياسين سألني بفضول: “إيه لعبة الحارس الذكي دي يا ماما؟” قلت له بثقة: “أي حد، حتى لو طنط أماني، يسألكم عننا بنعمل إيه، أو بنأكل إيه، أو بنقول إيه.. الحارس الشاطر بيعمل حاجتين: الأولى إنه بيقول جملة واحدة يحفظها زي الاسم، والثانية إنه يطلب منها حاجة تخليها هي اللي تتكسف وترجع لورا.”

فضلنا ندرب طول الصبحية. حفظتهم يردوا بإيه، وكيف يستدرجوها هي، ويفهموها إن أسرار البيت خط أحمر بس بطريقة تخليها هي اللي تحت الضغط. والأهم من ده كله، إني جهزت “المفاجأة الكبرى” للظهرية، لأني كنت عارفة يقيناً إن أماني مش هتصبر، وهتيجي عشان تتأكد إن جوزي ينفذ كلامه وإني اتصلت أعتذر لها، أو تجي تشمت فيا وتستغل غيابه زي كل يوم.

بالفعل، الساعة ما جاتش واحدة الظهر إلا وكانت آلات الجرس بترن بشكل متكرر. أماني وصلت. فتحت الباب بابتسامة هادية جداً، ابتسامة باردة شلت حركتها للوهلة الأولى. كانت داخلة بوش مشدود وبصة كبرياء، وفي إيدها الشنطة الكبيرة المليانة شوكولاتة ولعب كالعادة. دخلت وهي بتتلفت وتتأفأف، وقالت بنبرة حادة ومستفزة: “أهلاً.. أخويا قال لي أجي، وأنا جيت عشان خاطره هو بس، مع إنك المفروض كنتي أنتي اللي تتصلي تتأسفي!”

رديت عليها بمنتهى الهدوء وأنا بفرغ لها الطريق: “تنوري يا أماني، البيت بيتك.. أدخلي.” ارتبكت من رد فعلي البارد. كانت مستنية مشكلة، مستنية إني أصرخ أو أمنعها فتروح تشتكي لأخوها وتعمل حكاية جديدة، لكن هدوئي فاجأها. قعدت على الكنبة في الصالة، ونادت بصوت عالي ومصنع على العيال: “ياسين! مريم! نور! تعالوا لعميمة شوفوا جابتلكم إيه!”

العيال خرجوا من أوضتهم، بس المرة دي ما جريوش عليها بلهفة زي كل مرة. مشيوا بهدوء وقعدوا قصادها. أنا مشيت وسبتهم، دخلت المطبخ وسبت باب المطبخ موارب بسيط، ووقفت أراقب وأسمع المشهد اللي رتبته بدقة.

أماني طلعت الشوكولاتة الكبيرة اللي وعدتهم بيها إمبارح، وحطتها على الترابيزة وقربت منهم بنبرة وشوشة: “حبايب عميمة! الشوكولاتة اللذيذة دي واللعبة الجديدة دي للأسد اللي هيقول لي.. بابا وماما عملوا إيه إمبارح؟ وقالوا إيه عليا لما أنا مشيت؟”

هنا بدأ العرض. ياسين بص للأكل والشوكولاتة، وبعدين بص لعمتو بمنتهى الثبات والهدوء اللي درّبته عليه، وقال بصوت واضح ومسموع: “ماما وبابا قالوا إن اللي بيسأل عن أسرار البيوت المقفولة بيبقى عنده نقص وبيحب يتجسس، وماما قالت إن عيب أوي حد كبير يسأل عيال صغيرة عن تفاصيل تخص الكبار.. وبابا قال إنك مسكينة وبتحبي القيل والقال عشان معندكيش حاجة مفيدة تعمليها في حياتك!”

أماني وجهها اصفرّ واتسعت عينيها بصدمة مرعبة: “إيه؟! بابا قال كده؟! وماما قالت كده؟!”

قبل ما تستوعب الصدمة، كملت مريم التوأم وهي بتبص لها ببرأة طفولية وتقول: “أيوه يا عمتو، وماما حفظتنا إمبارح إننا لما تسألينا تاني عن خصوصيات البيت، نسألك إحنا كمان ونقولك: هو أنتي يا عمتو لما بتدخلي أوضتك بتمسكي التليفون وتتكلمي مع مين بالساعات لحد الفجر؟”

الكلمة دي نزلت على أماني زي الصاعقة! لونها اتقلب وإيدها بدأت ترتعش، لأن دي نقطة ضعفها والحاجات اللي هي نفسها كانت بتخبيها عن أهلها وجوزها، والعيال قالوها ببرأة طفولية وكأنها سؤال عادي! أماني وقفت من طولها والصدمة مسيطرة على ملامحها، وصصرخت بنبرة متقطعة: “أنتم بتهببوا إيه؟! مين اللي علمكم الكلام ده؟!”

في اللحظة دي، خرج ياسين الورقة الرابحة اللي كنت مجهزاها. طلعت نور الصغيرة لعبة تسجيل صوت وصورة صغيرة جداً كانت محطوطة على الرف جنبهم، وياسين قالها بثقة: “وماما قالت لنا كمان إن كل كلمة هتقوليها وتهتمي فيها بمعرفة أسرارنا، اللعبة دي بتسجلها وصوتك طالع فيها وأنتِ بتدينا رشوة عشان نتجسس.. وماما هتبعث التسجيل ده لعمو (جوز أماني) ولتيتة ولجوزها عشان يشوفوا عميمة وهي بتعلمنا نقل الكلام والتدخل في البيوت!”

أماني ملامحها اتغيرت تماماً، ودمها اتجمد في عروقها. فكرة إن تسجيل صوت وصورة لها وهي بتطلب من أطفال يشوفوا أسرار بيت أخوها يوصل لجوزها ولأمها ولأخوها، كانت بالنسبة لها مشكلة كبيرة تدمرها!

أنا خرجت في اللحظة دي من المطبخ بمنتهى البرود، ماسكة كاسة العصير في إيدي، وبصيت لها بابتسامة وقُلت لها بنبرة هادية جداً وواثقة: “خير يا أماني؟ مالك واقفة مرعوبة كده ولونك خطف؟ ما العيال بيلعبوا معاكي وبيحكوا اللي يعرفوه.. مش أنتي اللي قلتي إمبارح أنتو بتسلو ومالناش أسرار؟ أدي العيال بيسلّوكي وبيقولولك!”

أماني جت نحوي بسرعة، وكانت تحاول تاخد تسجيل اللعبة من إيد ياسين، بس ياسين رجع ورايا واستخبى فيا. بصت لي بذهول وقالت بصوت جاف ومخنوع: “أنتي جنيتي يا منال؟! أنتي بتعلمي ولاد أخويا يسجلوا لي؟! أنتي عايزة تخربي بيتي؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى