
أنا متجوزة في بلدنا في الأرياف، وجوزي دايماً بيسافر شغل طويل، ومش بيجي غير 8 أيام بس كل أربعين يوم. كنت دايماً حريصة ومتوتّرة في غيابه، خصوصاً إن عندي بنت بقت عروسة وعندها حوالي 17 سنة. بنتي دي كانت كل دنيتي، وأنا طول عمري عيني عليها وخايفة عليها من نسمة الهواء.
أصلنا عايشين في بيت بابه عالشارع، وجنبنا بيت جيرانا، وعندهم ولد عنده يجي 20 سنة، مش سايب حد في حاله، دايماً واقف في الشارع مع أصحابه بصوت عالي، ومبيحترموش حرمة البيوت. كنت دايماً أحذر بنتي وأقولها: “يا بت متقفيش قدام الباب، يا بت متنزليش السوق لوحدك، يا بت حاسبي الشباك”، وكل ده عشان ميبصش ناحيتها ولا يضايقها بكلمة.
وفي ليلة من الليالي، على بعد نص الليل كده، الكفر كله كان ساكن ومفيش صوت، كنت خلاص رايحة في النوم بعد تعب النهار كله، وفجأة سمعت صوت دبة جامدة أوي جاية من فوق السطح! اتنفضت من سريري وقلبي اتخطف، وقفت لحظة أسمع، قولت في بالي يمكن بيتهيألي؟ يمكن قطة نطت على السطح ولا حاجة؟
بس تاني يوم الصوت اتكرر تاني وبشكل أوضح، وسامع صوت حركة خفيفة ورا بعضها فوق سقف أوضة بنتي بالذات!
جبت كشاف الإيد الكبير وطلعت على السلم بالراحة وخطواتي في الضلمة عشان مصحش حد. أول ما خلصت درجات السلم وطلعت السطح، شوفت المنظر اللي شل حركتي وخلاني اتسمرت في مكاني، اتصدمت صدمة عمري!
الولد ده، كان واقف وناطط عندي على السطح، وواطي بجسمه كله وعمال يزعجنا ويخبط في الطوب والحجارة اللي فوق السطح عشان يلفت الانتباه ويعمل مشاكل لبنتي! الطريقة اللي كان بيتحرك بيها والفضول المستفز بتاعه خلى الدم يغلي في عروقي. هو مش سايبنا في حالنا، وعمال يخبط وينط فوق سقف أوضة بنتي اللي نايمة في أمان الله مش حاسة بحاجة!
بدون ما أفكر، صرخت فيه بصوتي كله: “بتعمل إيه عندك يا ابني؟!”
هو اتخض ونط ورجع على سطح بيتهم في ثواني واختفى في الضلمة.
أنا رجلي مكنتش شايلاني من الغضب، نزلت جري، سحبت طرحتي من على الكنبة ولفيتها على راسي، وخرجت في نص الليل خبطت على باب جيراننا بكل قوتي لحد ما الباب كان هيتقلع. طلعت لي أمه، زعقت فيها بانفعال وقولتلها اللي ابنها عمله، وإنه مش بيبطل قلة أدب ومخبط فوق السطح عندنا في نص الليل وعامل إزعاج وقلق.
بس أم الولد بدل ما تتخض ولا تتأكد من ابنها، طلعت لسانها طوله مترين، وزعقت في وشي بكل بجاحة وقالتلي: “جرى إيه يا ولية أنتِ؟ جرا لك إيه في عقلك جاية بتخبطي وتعملي قلق في نص الليل؟ أنا ابني متربي وميعملش كده أبداً، وأكيد أنتِ بيتهيألك!”
رديت عليها وأنا هموت من الغيظ: “أنا شوفته بعيني دي! كان على السطح فوق أوضة بنتي وبيخبط ويعمل دوشة مقصودة!”
ردت عليا ببرود يستفز الحجر وقالتلي: “أنا ابني نايم في أوضته جوة، ومبيطلعش فوق السطح ولا يعرف طريقكم أصلاً، روحي شوفي إيه اللي بيتهيألك، ولا يمكن الصوت ده من الشارع!”
الكلام نزل عليا زي التلج! حسيت إن دمها حامي وعايزة تغطي على بلاوي ابنها بأي طريقة. اتصدمت وزعقت معاها بصوت عالي: “إنتي بتقولي إيه.. محدش يقدر يطلع على بيتنا ولا يدوس سطحنا غير ابنك! بيوتنا لازقة في بعض وهو نط من السطح بتاعكم عشان يضايقنا!”
قالتلي بغضب وبكل حدة: “ابني متتحركش من أوضته، ولما أنتِ خايفين أوي كده وقلقانين من خيالكم، اقفلوا باب السطح وريحوا دماغكم! ولا عاجبكم فرجة الناس عليكم ومبسوطين بالصراخ ده في نص الليل؟”
أنا الدنيا لفت بيا، كنت همد إيدي وأضربها في وشها من كتر القهر، وسكت بالعافية وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الذهول. قولت لها: “يا ولية.. أنا سايبة السطح عشان ننشر ونطلع نتנفس، مش عشان ابنك الطايش يجي يخبط ويعمل إزعاج! أنا غلطانة إني جيت أكلم واحدة زيك، خليكي ساكتة وراكبة رأسك لحد ما ابنك ده يجيبلك مصيبة تكسر عينك، وأنا لما أبو البنت يرجع من السفر هقوله وهو يعرف يتصرف مع جوزك ومع ابنك!”
مشيت وأنا بفرك في إيدي من كتر الغيظ، وهي واقفة على الباب بتزعق ورايا وبتستهزئ بيا وتقول: “قولي لجوزك يا أختي قولي له! احنا هنخاف يعني ولا نترعش؟!”
رجعت بيتي وعيني مانمتش للصبح. تاني يوم الصبح على طول، طلعت السطح وجبت قماش تقيل وخشب وغطيت سقف السطح والمنور تماماً وقفلته كويس عشان ميبقاش فيه أي فرصة لحد إنه يبص أو يقرب. البنت لما صحيت استغربت وقالتلي: “فيه إيه يا أمي؟ الأوضة ضلمت أوي والجو بقى حر مكتوم ليه قفلتي السطح والمنور بالطريقة دي؟”
بصيت لها وقولتلها: “معلش يا بنتي، شغلي النور كله دلوقتي، ولما أبوكي يرجع من السفر هخليه يشوف حل مناسب ويهوي الأوضة بطريقة تانية.”
فضلت مستنية رجوع جوزي بالعافية.. الأيام كانت بتعدي عليا كأنها سنين، عدى أسبوع كامل وأنا باكل في نفسي وعايشة في نار، مستنية اللحظة اللي يرجع فيها عشان أحكيله، عشان يرجعلي حق بنتي ويرد كرامتنا اللي اتبهدلت، يروح للناس دول يبلعهم لسانهم ويوقف الولد ده عند حده ويجيب حقي وحق بنته اللي أمه استهزأت بينا.
ولما رجع بالسلامة ونزل شنطته، قعدت معاه وحكيتله كل حرف حصل من الألف للياء.. حكيتله عن الولد اللي نط فوق السطح وعمل إزعاج، وحكيتله عن كلام أمه البجحة واللي قالته في حقنا وتشكيكها في كلامنا.
كنت متوقعة إنه أول ما يسمع الكلام ده هيثور، وهيتعصب، وهيهد الدنيا على دماغهم، وهيطلع يجيب الولد من رقبته… بس جوزي سكت خالص.
سكت شوية وبص في الأرض، وبعدها وقف… وقال أغرب حاجة ممكن يقولها أب في الدنيا كلها! واللي عمله مع البنت بعد كده… شيء مفيش أي عقل في الدنيا ممكن يستوعبه ولا يتخيله أبداً!
بصيت لجوزي وأنا مستنية منه كلمة واحدة، كلمة تطمن قلبي، أو حتى يقوللي أنا هتصرف. لكنه فضل ساكت شوية، وبعدها رفع عينه في عيني وقال بهدوء غريب: “إنتِ غلطانة.”
اتجمدت مكاني، وحسيت إني سمعت غلط.
قولتله: “أنا؟! أنا غلطانة في إيه؟ ده أنا شوفته بعيني فوق السطح وهو بيعمل دوشة وبيخبط فوق أوضة بنتك!”
قالي: “مش غلطانة إنك خفتي على بنتك، ولا غلطانة إنك زعلتي من اللي حصل… إنتِ غلطتي بس في حاجة واحدة.”
قرب مني وقال: “إنك قفلتي السطح وداريتِ على أخطاء غيرنا.”
بصيتله باستغراب: “يعني إيه؟!”
قال: “يعني ليه بنتنا هي اللي تدفع تمن قلة أدب واحد تاني؟ ليه هي اللي تقعد في أوضة مكتومة ومظلمة عشان واحد مش محترم؟ وليه هي اللي تحس إنها لازم تختفي وتستخبى في بيتها كأنها هي اللي عملت حاجة غلط؟”
الكلام ده خلاني أسكت وأفكر.
كمل وهو بيبص ناحية أوضة بنتنا: “بنتنا معملتش حاجة غلط. هي مش اللي لازم تتعاقب ولا تتخنق ولا تحس إنها مذنبة في بيتها. اللي غلط هو اللي لازم يخاف ويثبت مكانه.”
حسيت إن دموعي نزلت لوحدها، بس برضه كنت مستغربة من هدوئك وحكمتك الكبيرة.
قولت: “يعني هتسيب الولد كده من غير ما تتكلم؟”
قال: “لأ.”
وبعدها قام من مكانه، وراح نادى بنتنا.
البنت خرجت من أوضتها وهي متوترة، خصوصاً إنها كانت حاسة إن في حاجة حصلت وهي مش عارفة تفاصيلها.
قالها أبوها: “تعالي يا بنتي اقعدي.”
قعدت جنبه، وهو مسك إيدها وقال: “ماما قالتلي اللي حصل.”
وشها اتغير، وبصتلي بخضة: “هو… هو كان بيعمل إيه فوق؟”
أنا قربت منها وحضنتها، لكن أبوها سبقني وقال: “بوصيلي يا بنتي.”
رفعت عينيها له.
قال: “إنتِ مصدقة نفسك؟”
قالت: “يعني إيه يا بابا؟”
قال: “إنتِ عملتي حاجة غلط؟”
هزت راسها بسرعة: “لأ والله.”
قال: “حد يقدر يقول إنك عملتي حاجة غلط أو سببتي مشكلة؟”
قالت وهي دموعها في عينيها: “لأ خالص.”




