
رديت عليها وقربت منها خطوة، وحطيت العصير على الطاولة، وبصيت في عينيها مباشرة بنبرة حازمة: “أنا مابخربش بيت حد يا أماني.. أنتي اللي جاية لحد بيتي بشنطة الشوكولاتة عشان تخربي تربية ولادي وتخليهم جواسيس! التسجيل ده فيه كل كلمة قلتيها إمبارح والنهاردة، والرشوة اللي بتديها لعيال صغار.. ولو رجلِك أتمدت في بيتي تاني بأسلوب التدخل ده، أو فكرتي مجرد تفكير تسألي العيال سؤال واحد عن حياتي وحياة أخوكي، التسجيل ده هيكون عند جوزك وعند طنط (أمك) قبل ما توصلي الشارع!”
أماني كانت بتترعش من كتر الغيظ والخوف، أصلها كانت عارفة كويس إن جوزها لو شاف التسجيل وعرف إنها بتستغل الأطفال عشان تفرغ أحقادها وتتجسس على البيوت، مش هيسكت لها، وأمها هتمسح بيها الأرض. بصت لي بنظرة كره وذهول، وما قدرتش تنطق بكلمة واحدة. أخدت شنطتها وإيدها ترتجف، ولمت حلوياتها وهي مش مصدقة إن “منال الهادية الطيبة” هي اللي خططت وردت الصاع صاعين بذكاء ودمرت أسلحتها كلها في نص ساعة!
جرت على باب الشقة وهي بتلهث، وفتحت الباب وخرجت وهي بتقفل الباب وراها بقوة. قفلت الباب وراها بهدوء شديد، ولفيت لولادي اللي كانوا بيبصوا لي بفخر، وأخدتهم في حضني. كنت عارفة إن المعركة مع أماني ما انتهتش، لأنها أكيد هتروح تحور القصة لأخوها (جوزي) بطريقة تانية.. بس المرة دي، أنا كنت ماسكة كل الخيوط في إيدي، وجاهزة للمفاجأة الثانية اللي كانت مستنية جوزي أول ما يرجع بالليل!
قفلت الباب ورا أماني، ولأول مرة من سنين أحس إن هواء الشقة نضيف ورايق. العيال كانوا مبسوطين وطايرين من الفرحة، حاسين إنهم أبطال في مغامرة نجحوا فيها، وأهم حاجة إن الفكرة ثبتت في دماغهم: “أسرار البيت خط أحمر، واللي بيحاول يتدخل بيترد عليه بكل ثبات”. قعدت معاهم، باستهم، وشلت اللعبة الإلكترونية الصغيرة بحرص في دولابي، ورجعت أمارس يومي الطبيعي بمنتهى الهدوء والثبات.
كنت عارفة إن أماني مش هتسكت، وعارفة إنها هتتصل بجوزي وهي بتعيط وتألف قصة جديدة تماماً عشان تقلب الطاولة عليا، وتقوله إن مراتك عملت وعوت ويهددتني. وعشان كده، قررت أكون خطوة قدامها.
على الساعة سبعة بالليل، سمعت صوت المفتاح في الباب. جوزي دخل، ووشه كان عبارة عن كتلة غضب، ودخل يتكلم بصوت عالي: “منال! أنتي إيه اللي عملتيه في أختي ده؟! أنتي اتجننتي رسمي؟!”
ما اتهزتش، ولا اتوترت. قمت من على الكنبة بابتسامة هادية جداً وقُلت له: “حمد لله على السلامة يا حبيبي، ارتاح الأول وخد نفسك.” رد بغضب وهو بيلوح بإيديه: “بلا ارتاح بلا كلام فارغ! أختي مكلماني بتعيط، بتقولي إنك مجمعة العيال وخلتيهم يقولولها كلام يضايقها ويهددوها بتسجيلات؟! أنتي بتعلمي ولادي يقلوا أدبهم على عمتهم؟! هي دي التربية؟!”
بصيت له بثبات، وقُلت له بنبرة دافية وواثقة: “طيب يا مدحت، أنتي سمعت منها، مش المفروض تسمع من ولادك وتشوف بعينك قبل ما تحكم وتظلم؟” ارتبك شوية من هدوئي، وقال بصوت حاد: “أشوف إيه وأسمع إيه؟! هي أختي هتكذب عليا يعني؟!”
ناديت بصوت واطي: “ياسين.. تعال يا حبيبي.” خرج ياسين من أوضته، ووقفت جنبه وأنا حاطة إيدي على كتفه. بصيت لمدحت وقُلت له: “اسأل ابنك الكبير، اسأله عمتو قالت له إيه، وهو رد عليها قال إيه.. من غير ما أتكلم أنا خالص.”
مدحت بص لياسين بحدة وسأله: “ياسين، عمتك أماني عملت إيه لما جت النهاردة؟ وأنت قلت لها إيه؟” ياسين بص لباباه بمنتهى البراءة والارتياح وقال: “يا بابا، عمتو جابت شوكولاتة كبيرة ولعبة، وقالت لنا اللي هيقولي بابا وماما بيعملوا إيه لما يقعدوا لوحدهم، هديله الشوكولاتة واللعبة.. وماما كانت محفظانا إن اللي يسأل عن خصوصيات بابا وماما يبقى عيب وبيتدخل في أسرار البيت، فاحنا قلنا لها إن ده عيب، وماما سجلت لها باللعبة عشان هي كل مرة بتدونا رشوة عشان نتجسس عليك أنت وماما!”
كلام ياسين كان مفاجأة تامة لمدحت! ملامحه اتغيرت، عينيه وسعت بصدمة، وبص لياسين وهو مش مصدق براءة الولد وثباته وهو بيحكي التفاصيل. هنا، طلعت تليفوني، وشغلت تسجيل الصوت والصورة اللي صورت بيه المشهد كاملاً لما خرجت من المطبخ، والتسجيل الصوتي اللي سجلته اللعبة الصغيرة للعيال وهي بتراشيهم بالشوكولاتة، وبعدها صوت العيال وهما بيلقنوها الدرس، وصوتها هي وهي بترتعش لما عرفت إنها اتفضحت.
مدحت مسك التليفون، وسمع الصوت وشاف الفيديو.. وش أول ما بدأ الفيديو كان محمر من الغضب عليا، بس مع كل ثانية بتعدي في التسجيل، كان لونه بيغيّر تماماً! سمع أخته بنفسه وهي بتعلم ولاده الجاسوسية وبترشيهم، وسمعها وهي بتسألهم عن خصوصيات بيته شخصياً!
لما الفيديو خلص، ساد صمت رهيب في الصالة. مدحت نزل التليفون من إيده وهو مصدوم ومكسوف من نفسه، مش قادر يرفع عينيه في عينيا. قربت منه ببطء، وقُلت له بنبرة واطية بس حازمة جداً: “شفت يا مدحت؟ دي أختك اللي زعلت مني إمبارح عشانها.. أختك كانت بتعلم ولادك يبيعوا أبوهم وأمهم بشوكولاتة ولعبة، وكانت بتنهك حرمة بيت أختها وأخوها. أنا ما خربتش بيت حد، ولا شتمت حد.. أنا حميت ولادك وعلمتهم يحافظوا على كرامة بيتك في غيابك، ورجعت لها كلامها اللي كان هيخرب عقولهم.”
مدحت فضلت عينيه في الأرض، ونبرة صوته اتغيرت 180 درجة، وقال بصوت جاف ومخنوق: “أنا.. أنا مكنتش متوقع إن الموضوع يوصل لكده مع أماني..” رديت عليه بابتسامة هادية: “أنا مسحت التسجيل من تليفون العيال وشلته عندي أنا.. التسجيل ده مش هيخرج لأي حد، ولا لجوزها ولا لأمك، بشرط واحد: أماني رجليها ما تعتبش الشقة دي تاني إلا وهي عارفة حدودها كويس، وما تفتحش بقها بكلمة واحدة عن ولادي أو بيتي. ولو فكرت تعمل حركة زي دي تاني أو تتبلى عليا عندك، الفيديو ده هيكون عند جوزها في نفس الدقيقة.”




