قصص و روايات

جوز بنتي

بإيدين بتترعش، فتحت سلمى شنطتها وطلعت فولدر أزرق صغير وحطته على الترابيزة.

بقالمها شهور بتوثّق كل تجاوزاتهم المادية والإدارية، وسيفَت رسائل الضغط المالي، ونسخت المستندات المالية.. وكانت بتبعثلي كل نُسخة أول بأول.

شريف مد إيده عشان يخطف الفولدر، بس فرد الأمن وقف في وشه ومنعه.

صرخ شريف في سلمى: “أنتِ بتتجسسي عليا يا خاينة؟!”

سلمى ردت بصوت وطي خالص بس هز المكان: “لا.. أنا كنت بحمي نفسي منك.”

عفاف وشها اصفرّ بس حاولت تتصنع القوة: “الورق ده ما بتثبتش حاجة!”

فتحت الفولدر وقلت ببرود: “طب ومستندات الحسابات البنكية والتعاملات غير القانونية هيثبت؟”

شريف بص لكاميرات المراقبة فوق رأسه.. وفي اللحظة دي بالظبط، بدأ يفهم المحظور.

والضربة الثانية جتلهم لما خرج راجل بلبس أنيق ببدلة رمادي من الصالة الخاصة. دكتور طارق، كان رئيس هيئة النيابة الإدارية السابق، وحالياً صاحب أكبر مكتب تحريات واستشارات مالية وقانونية.

شريف أول ما شافه وشّه جاب ألوان لأن عارفه كويس.

طارق حط ملف تاني على الترابيزة وقال: “غير ده كله.. أثبتنا إن الأستاذ شريف حول مبالغ مالية كبيرة من ورث مراته لحساب شركة وهمية باسم أمه عفاف.”

عفاف زقت الكرسي الرجعت لورا بصدمة: “الفلوس دي كانت استثمار عائلي!”

رديت عليها: “دي سرقة وتعدٍ.. والشركة الستار اللي عملتوها مكشوفة وسهل إثباتها.”

شريف ضرب الترابيزة بقبضة إيده وصرخ: “أنتِ فاكرة إن لقبك القديم ده يخوفني؟! أنتِ ست متقاعدة وملاكيش أي سلطة عليا!”

ابتسمت ابتسامة خفيفة.. هو كان صح في حاجة واحدة: أنا فعلاً معنديش سلطة إصدار أحكام بنفسي دلوقتي.

بس عندي الأهم: التخطيط، الأدلة، والروابط والعلاقات مع ناس قضيت ٢٧ سنة في القضاء معادتش معاهم غير بالحق والعدل.

وفجأة.. أبواب المطعم اتفتحت، ودخل اتنين ظباط شرطة مع قوة مختصة.

شريف قام من طوله والكرسي اتغلب وراه. عفاف شاورت على سلمى وصرخت: “قوليلهم إن ده سوء تفاهم! قولي حاجة!”

شريف بص لسلمى ونبرة صوته اتغيرت للرجاء والمخادعة: “حبيبتي.. عشان خاطري، بلاش تخربي بيتنا بإيدك!”

شفت الخوف القديم بيحاول يتسلل لعينين بنتي تاني.. فمديت إيدي ومسكت إيدها بقوة وقلت لها: “قولي الحقيقة يا سلمى.. متخافيش.”

سلمى وقفت على حيلها ببطء، وبصت في عينيه بثبات: “أنت بقالك سنين بتستغلني وتتحكم فيا.”

المطعم كله اتنفس الصعداء.. وشريف تحول في ثانية من التوسل للغل: “يا كذابة!” وحاول يتعدى بالقول.

الظباط جابوه في ثانية وكتفوا إيديه ورا ضهره، وعفاف نازلة تهديد وتطالب بإيقاف الكاميرات.

استاذ طارق سلم الضابط “فلاشة” عليها فيديوهات المطعم، المستندات المالية، وكشوفات الحسابات البنكية.

وهنا وريتهم المفاجأة الأخيرة.

بصيت لعفاف وقلت لها: “والشقة الفخمة اللي بتقولي ابنك وفرها لبنتي؟ الشقة دي ملك سلمى بنتي من قبل الجواز.. مكتوبة باسمها في عقد ثلاثي وحساب مغلق. شريف أقنعها إنه صاحب الشقة لمجرد إنه بيدفع مصاريف الصيانة!”

عفاف اتسمرت مكانها.

كملت كلامي: “والنهاردة الصبح، محكمة الأسرة أصدرت أمر تمكين وطرد مستعجل وبحظر اقتراب. شريف ممنوع يدخل الشقة أو يقرب من سلمى أو يهوب ناحية أي حساب بنكي.. وكالون الشقة اتغير وأحنا قاعدين بنتعشى هنا.”

شريف بطل يعافر، وعفاف بؤها اتفتح ومش عارفة تنطق.

حطيت ورقة ثانية جنب كاسها: “وبلاغ النيابة العامة المالي جمد حسابات الشركة الوهمية.. كل جنيه اتسرق هيرجع بالقانون.”

همست عفاف بذهول: “أنتِ خططتي لده كله؟!”

رديت عليها: “لا.. أنتِ اللي خططتي لكل ده في كل مرة أيدتِ فيها الإهانة والاستغلال! أنا بس أثبت إن كل فعل وله عقاب.”

الشرطة أخدت شريف بتهمة النصب والابتزاز، وعفاف اتاخدت معاه بتهمة الاشتراك في إخفاء الأموال بعد ما طارق طلع المستندات اللي بتدعم التحقيق.

وهما خارجين بيه، شريف اتلفت وصرخ في سلمى: “هترجعيلي!”

سلمى اترعبت لحظة.. بعدين بصتلي، عدلت كتفها، وقالت بصوت قوي هز المكان: “لا يا شريف.. أنت اللي هتقضي بقية حياتك فاكر الليلة اللي ما طأطأتلكش فيها رأسي!”

المطعم كله انفجر بالتسقيف والأحضان! سلمى حطت إيدها على وشها وعيطت، بس المرادي دموع فرحة وراحة.. مش دموع خوف. ضميتها لحد ما المكان كله اختفى من حوالينا.

بعد ٨ شهور.. المحكمة حكَمَت على شريف بالسجن في قضايا النصب والاختلاس المالي مع الإلزام برد كل المبالغ. وعفاف خسرت شركتها وسمعتها، وأخدت حكم قانوني حاسم.

سلمى باعت الشقة.. واستغلت جزء من فلوسها اللي رجعت عشان تفتح مركز دعم ونفسي وقانوني جنب مستشفى الأطفال اللي شغالة فيها. مركز بيساعد الستات ويقدم ليهم استشارات قانونية ومكان آمن يقدروا يعتمدوا فيه على نفسهم من غير خوف.

في يوم الافتتاح.. سلمى محطتش صورتي، ولا كتبت اسمي على لوحة.

بس علقت جملة واحدة على باب المركز من بره:

”السكوت بيحمي الظالم.. والحقيقة هي اللي بتحمي المجروح.“

بالليل، كنا قاعدين بره المركز بنشرب قهوة.. سلمى ضحكت على حاجة بسيطة، وكانت ضحكتها صافية وطالعة من قلبها لأول مرة من سنين.

بصتلي وقالت: “هو أنتِ زعلانة إنك طلعتِ معاش وما بقيتيش قاضية يا ماما؟”

بصيت من الشباك على أم صغيرة قاعدة جوة بتتكلم مع الأخصائية، وإيديها بدأت تهدى وتستقر..

قلت لها: “لا يا سلمى.. العدالة اللي تحققت الليلة دي، أحسن من ألف قضية.”

سلمى حطت رأسها على كتفي.. ولأول مرة من سنين طويلة، ما وطّتش رأسها لحد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى