قصص و روايات

سر الحاره القديمه وعين ليلي

كان النهار في أوج ليلته الصيفية الحارة، والجو داخل غرفة استقبال بلاغات النجدة يبدو ساكناً وكأن الزمن قد توقف. صوت تكتكة لوحة المفاتيح وصوت المراوح المرتفعة كانا يملآن المكان ببطء، بينما كانت هبة جالسة في وردية الظهيرة تراقب الشاشات في ملل معتاد. لم يكن هناك ما يكسر هذا الهدوء سوى بعض الشكاوى البسيطة المعتادة عن زحام المرور أو استفسارات عابرة.

 

مقالات ذات صلة

فجأة، وعلى حين غرة، انفتح خط هاتف طارئ على شاشتها. لم يكن هناك صريخ مسموع، ولا دوشة صاخبة، ولا استغاثة بصوت عالٍ يعتاد عليه العاملون في الطوارئ. كان الصوت عبارة عن نفس مخنوق، وحشرجة خافتة لصوت طفلة صغيرة، يتبعها حسيس حركة خفيفة وقريبة جداً من سماعة الهاتف.

تعدلت هبة في جلستها بتركيز شديد، وشعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها دون أن تدرك سببها الحقيقي. قالت بصوت حنون محاولةً بث الطمأنينة في نفس المتصلة: “أيوة يا حبيبتي، سامعاكي.. إيه اللي بيحصل عندك؟” سكت الخط لثانية واحدة كاملة، ولم يكن في الخلفية سوى صوت تزييق خشب قديم، وبعدها همست الطفلة بجملة جعلت هبة تزيد من تركيزها. صوابع هبة تسمرت فوق لوحة المفاتيح، ليس لأنها لم تفهم المقصود، بل على العكس تماماً، لأنها شعرت بأهمية الموقف. كان السكوت مرعباً، والجملة بدت وكأنها طاعة عمياء، كأن أحدهم كرّرها على مسامعها مراراً وتكراراً.

بلعت هبة ريقها وسألتها بنبرة هادئة: “اسمك إيه يا شاطرة؟” أجابت الطفلة بصوت مرتعش يكاد يختفي: “ليلى.” تابعت هبة بحذر: “طب يا ليلى، إنتي في مكان أمان دلوقتي؟” سكتت الطفلة قليلاً، وظهر في الخلفية صوت تزييق باب خشبي يُغلق، ثم قالت بصوت همس خافت: “أنا مستخبية في الأوضة.. بس هما قالوا متتصليش بحد.” في تلك اللحظة بالذات، أضاءت شاشة الكمبيوتر أمام هبة بمعلومات العنوان التفصيلي: بيت أرضي في حارة ضيقة متفرعة من شارع بين السرايات. منطقة شعبية مكتظة بالسكان، البيوت فيها متلاصقة، والناس يقفون على ناصية الشارع يتسامرون ويشربون الشاي، وتبدو الحياة طبيعية تماماً لكل ناظر، ولكن خلف تلك الشبابيك المغلقة كانت هناك حاجة للمساعدة الإنسانية العاجلة.

تحرك الأجهزة الأمنية ونزول الميدان
قامت هبة بتبليغ غرفة اللاسلكي فوراً وبنفس النبرة الهادئة الحنونة لكي لا تزيد من توتر الطفلة: “ماشي يا ليلى، إنتي شاطرة وزي الفل، خليكي معايا على الخط ومتخافيش.” كانت هذه أول كلمة صادقة ومطمئنة تسمعها تلك الطفلة من شخص كبير منذ فترة طويلة. في نفس الوقت، كان الرائد أحمد نصار، ضابط المباحث المخضرم الذي تجاوز الخمسين من عمره، جالساً في قسم الشرطة يراجع الدفاتر الرسمية، عندما وصله إخطار النجدة المرفق بالتسجيل الصوتي. أحمد رجل ملأ الشيب رأسه، وعيناه شاهدتا الكثير من المواقف الإنسانية والخدمية خلال مسيرته.

لكن فور سماعه لصوت همس ليلى وهي تكرر الكلمات، شعر بنغزة قوية في صدره. نظر إلى شاشة الكمبيوتر ليجد ملحوظة النجدة تؤكد أن البلاغ يخص طفلة بحاجة للرعاية والمساعدة. وقف أحمد بحزم من مكتبه، وسحب مفاتيح سيارة الشرطة، وقال لزميله بصوت حاسم: “أنا اللي هطلع البلاغ ده بنفسي.” عندما نزلت قوة الشرطة إلى الشارع، كانت الشمس حامية، وأصوات باعة الخضار وصياح الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في الحارة تملأ المكان صخباً وحيوية. كانت الأجواء توحي بالسلام الظاهري، لكن أحمد كان يشعر بحدسه الأمني بضرورة التأكد من سلامة وصحة الطفلة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى