قصص و روايات

التميمه

قولتلها: “يلا بينا يا كوكي هنتأخر”. كوكي قالت: “أنا زعلت أنا وصاحبتي بسببك”. سألتها: “ليه يا كوكي؟”. كوكي قالت: “أصل صاحبتي مش عايزاني أروح معاك المشوار ده وبتقول إنك بتكدب، أنا زعلت منها لأنك عمرك ما كدبت عليا وأنا بثق فيك”. جسمي كله اضطرب من كلام كوكي، بدأت أحس فعلاً إن الطفلة في التميمة حقيقية ويمكن روح بتعرف المستقبل، لكن حلم الثراء كان عاميني.

شلت كوكي على كتفي ونزلنا السلم، اشتريتلها بسكوت وحلويات ولعبة جديدة، وركبنا تاكسي لحد ما وصلنا العربية اللي منتظرانا. ركبنا في العربية اللي هتوصلنا الفرح زي ما قولت لكوكي، كوكي كانت قاعدة ساكتة وبتبص من الشباك على الناس في الشارع. تركنا القاهرة وبدأت الحقول تظهر وكوكي بتتابع كل حاجة بصمت محزن: “هو إحنا مقربناش نوصل الفرح يا سمسم؟ الليل جه أهو ومش شايفة لا طبل ولا زمر ولا ناس”. قولتلها: “قربنا نوصل يا كوكي، نامي وأنا هصحيكي”. نامت كوكي في حضني والعربية فضلت ماشية بكامل سرعتها لحد ما وصلنا الأقصر.

ركبنا مركب شراعية نقلتنا الضفة التانية. بعد أن عبرنا النهر رسى المركب في درب ممهد لكن ليس ميناء، كان بعيد عن الصخب. نزلنا من المركب، كوكي صحيت، كنت شايلها في حضني، كانت مفزوعة من المنظر والضلمة، اتعلقت في رقبتي: “إحنا فين يا إسماعيل؟ أنا مش شايفة فرح ولا ناس”. بصت كوكي على الرجلين اللي معايا وهمست في ودني: “الناس دول شرانيين، يلا بينا نرجع، أنا عارفة إنت هتعمل إيه!”.

“عارفة إيه يا كوكي؟”. “إحنا رايحين مقبرة فرعونية”. ضغطت على إيد كوكي: “إنتي عرفتي إزاي يا كوكي؟”. “صاحبتي كانت نايمة معايا في الحلم وقلتلي كل حاجة، ليه مسمعتش كلامي يا سمسم؟ فيه حاجة وحشة هتحصل، إنت كدبت عليا ليه؟ أنا وثقت فيك”.

كلام كوكي خلاني أترعب أكتر، “كوكي صديقتك قالتلك إيه بالضبط؟”. “قالت إن الناس دول خاينين، وإن أخوك كدب عليكي، وإن فيه حاجة وحشة أوي هتحصل”. وقفت في مكاني، مش معقول دا يكون تخاريف، محدش يعرف إننا رايحين مقبرة! المركب كانت لسه على البر، قلت للناس اللي معايا: “أنا مش هكمل، هرجع تاني”.

بصلي النحيف: “إنت فاكرنا بنلعب يا أستاذ؟” وخرج مسدساً من جيبه: “امشي من سكات”. كلام كوكي كان صح، أنا ورطت نفسي وكوكي معايا. طلعت التميمة من جيبي قلتله: “خد التميمة، أنا مش عايزها وسبني أروح أنا وأختي”. ضحك الشاب: “خد التميمة حطها في جيبه، خليك إنت هنا لكن أختك هتيجي معانا، إحنا محتاجين أضحية”.

فتحت بقي أعترض بصرخ، صوب المسدس على دماغي: “حط إيديك ورا ضهرك، كتفه يا عوض”. ظهر راجل أسمر من وراء الصخور كتفني بحبل، صرخت كوكي معترضة لكن الشاب بص لها بصه مرعبة: “لو مسمعتيش الكلام هخلي الراجل يرمي أخوك في البحر”. مشيوا وسبوني متكتف، غصب عني قعدت أبكي، أبكي على نفسي وعلى أختي اللي ضيعتها.

لما وصلوا المقبرة كان فيه ناس كتير منتظراهم فوق الوادي، كان فيه كشافات وبكر رفع وسلم خشبي. أخرج الشاب التميمة ووضعها فوق الصخور، تحركت التميمة كأن بها محرك داخلي، سار الناس خلف التميمة لحد ما توقفت، في تلك اللحظة أمر الشاب: “احفروا هنا”. بدأ الرجال يحفرون بالمعاول ويزيحون الرمال.

الشاب للراجل اللي معاه: “إنت عارف إننا مش ممكن نسيب الواد ده حي، إحنا هندبح أخته ونستعين بدمها في فتح المقبرة، التميمة مش هتشتغل من غير ضحية بديلة”. الراجل اللي في رجله عرج: “اعمل اللازم، المهم المقبرة تنفتح، الناس مستعجلين، العربيات اللي هتنقل الآثار جاهزة والفلوس جاهزة”.

بعد تلت أمتار صرخ واحد من العمال: “باب المقبرة ظهر!”. وزي ما كان متوقع محدش قدر يفتح باب المقبرة المسحور. صرخ الشاب النحيل: “هاتوا الطفلة، مفيش وقت!”. جروا كوكي اللي عمالة تصرخ وصوتها واصل لحد أخوها المتكتف وعمال يعيط، أخوها اللي كان الندم بياكله على تورطه مع تجار الآثار.

صرخ إسماعيل: “أختي! أختي! كوكي!”. ردت عليه كوكي بصراخ وعياط يقطع القلب، حاول إسماعيل أن يتخلص من قيوده، أن يدفع حارسه في النهر، وكاد أن ينجح لكن الحارس لحق نفسه في آخر لحظة. الحارس من غيظه دفع إسماعيل ليسقط داخل النهر.

وضع الشاب عنق كوكي على التميمة وثبتها كويس، أخرج خنجراً حاداً وضعه على رقبتها: “البديل.. البديل.. نحرر واحدة محبوسة منذ زمن نستبدلها بأخرى”، وقطع عروق رقبة كوكي.

شاهد الناس دخان يتطاير مثل طيف صغير يخرج من التميمة، وخرج طيف من جسد كوكي ليندمج مع التيمة المعدنية، مجرد لحظات وكانت صورة كوكي محفورة داخل التميمة مكان صورة الطفلة السابقة التي اختفت.

انفتح باب ونزل العاملين داخلها بواسطة السلم الخشبي، ذهب كثير، آثار، زئبق أحمر، تماثيل فرعونية. جسد كوكي كان مرمى على الصخور ممدد بسلام، حتى وجهها رغم موتها لم يفقد براءته.

وفجأة دُب صوت مرعب داخل المقبرة، صم الآذان! انغلق باب المقبرة على الناس بداخلها، وارتفع صراخ العمال، كان هناك طيف يقتلهم، يسحقهم، يمزقهم! مات داخل المقبرة أحد عشر عاملاً.

حمل الطيف جسد كوكي وسار به حتى وصل الشاطئ، ثم غاص داخل المياه حتى عثر على جسد أخيها، وضع الجسدين ممددين على الأرض إلى جوار بعضهما، ثم أسفل الجبل قام بحفر قبر كبير، وحمل الجثتين ووضعهم جوار المقبرة، وبضربة من يده صنع شاهد قبر كتب عليه “كوكي”.

كفن الجسدين بملابس بيضاء ونشر الزهور والورود حولهم ثم رحل. في الصباح وجد الفلاحين ورعاة الأغنام الجسدين ووجد إلى جوارهم قبر محفور، كانت رائحة الجسدين طيبة حتى ظن الفلاحين أنها أجساد مباركة، اجتمع الناس حول الجسدين ثم قاموا بدفنهم وزراعة الأشجار حول قبريهم.

شمال وادي الملوك وعلى بعد مائتي متر من معبد حتشبسوت يمكنك رؤية قبر كوكي الذي نبتت حوله الزهور والأشجار ووضع سبيل ماء إلى جواره كأنه روضة أو واحة مخضرة.

4 من 4التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى