
كان رجل غريب نحيل، ولأول وهلة تشعر إنه محتال، لحيته كبيرة وعيونه غائرة مثل زر مفقود في لوحة كيبورد. رحب بي بطريقة ودودة وطلب يشوف القطعة المعدنية. كنا قاعدين على قهوة، طلعت قطعة المعدن ووضعتها على طاولة قذرة لم تنظف منذ شهرين. بص خبير الآثار على العملة بتركيز وإعجاب، رأيت شفاهه تقرأ في صمت بتمتمة مريبة، محاولش يطمني بأي كلمة. “دي مفتاح”، قال الخبير وهو بيحط العملة في إيده، “مفتاح سحري للمقابر القديمة، القطعة دي ممكن تفتح أي مقبرة مهما كان تاريخها، فرعوني، روماني، آشوري، كل المطلوب منك فعله تحطها قدام باب المقبرة وهتنفتح من غير بخور ولا سحر، إنت معاك أخت صغيرة؟”. السؤال كان مفاجئ وخضني، قلت بارتباك: “أيوه”. “عشان كدة التميمة اختارتك”. “مش فاهم!” قلت. “إنت ممكن تكسب من وراء التميمة دي ملايين كتيرة، لكن هتدفع التمن”. “تمن إيه؟” سألته. قعد يتكلم في كلام مش مفهوم ونصحني أتخلص من التميمة بسرعة: “صدقني يا ابني اللي جاي مش هيكون سهل”. تخلص من التميمة! تركني الخبير ورحل.
تركت المقهى المتهالك تحت نظرات حالمة ومتربصة من النادل المغتر بمظهري الأنيق، إن كان بي ميزة واحدة عندما أتأنق تكاد تشعر إنني ابن ناس. وصلت المنزل بجسد متراخٍ وعقل يطن مثل الطاحونة، أعرف ما علي فعله: التخلص من التميمة. جلست في الشرفة أدخن، لقد بدأت التدخين منذ العام الأول من الجامعة.
-
حماتي قلبت حكايات منيمنذ 19 ساعة
-
حماتي حكايات زيزيمنذ 19 ساعة
-
منذ عاممنذ 20 ساعة
والدتي تعرف إنني أدخن لكنها تنكر كل ذلك، لا زالت محتفظة بالصورة المثالية لطفلها الذي كانت تغير حفاظاته كل نصف ساعة لأنه كان مصاب بالإسهال في صغره. كان الشارع خالي من المارة، وكان كل ما علي فعله إلقاء التميمة ومراقبة أي طفل شقي سيعثر عليها.
لاحظت وجود شخصين تحت جدار منزلنا، كانا يتحدثان بصوت هامس وينظران تجاه شرفة منزلنا ذات الطلاء اللبني. كانت حركتهم مترددة وبدا إن هناك جدال يسري بينهم. حدقت بكلاهما، أحدهما يمتلك بنية ضعيفة جداً وملامحه تدل على الخبث واللؤم. الآخر كان ملتحي لكنه ليس متديناً، فأنا أعرف أئمة المساجد من أول وهلة، كان هناك شيء غريب في مظهره ولاحظت اعوجاج في وقفته.
لمحني النحيل بينهم، ابتسم ولوح لي بيده: “نحن نريدك إنت، لم نحضر لاستئجار المنزل”. دهست عقب السيجارة وأخفيت التميمة في جيب بنطالي. ماذا يريدون؟ سألت نفسي. في الشارع رحبت بهم ودعوتهم لمنزلي لكنهم اعترضوا: “نحن لم نأتِ هنا من أجل الضيافة، تمتلك شيء نريده”. قلت: “أنا لا أعرفكم ولا أتذكر إنني رأيتكم صدفة حتى في لوحة رسم!!”.
ضحكا كلاهما: “أجل نعرف، لأكون واضح، إنت تمتلك تميمة أسطورية نحن نحتاجها”. قلت: “كيف تحتاجونها؟”. قال: “سندفع مقابلها، حدد سعرك”. أحب رائحة النقود وشكلها وسيرتها، “لماذا تريدونها؟ إنها مجرد قطعة معدن رخيصة!!”. “اسمح لي لدينا أسبابنا الخاصة، كل ما عليك فعله أن تذكر رقم سندفعه لك”.
خشيت أن أنطق رقم يكون أقل مما تستحق التميمة، خبير الآثار قال هذه التميمة خرافية، تستطيع أن تفتح أي مقبرة، والمقبرة في العادة تكون ممتلئة بالآثار والذهب. كان الرجل الملتحي يراقبني في صمت حتى اللحظة وأدرك ما أفكر به.
قال: “حسناً، إنت تعرف أن هذه التميمة تفتح أي مقبرة قديمة أليس كذلك؟”. قلت: “أجل”. قال: “ما لا تعرفه أن التميمة تفتح واحدة قبل أن تحتاج لإعادة تهيئة، أظن إنك ترغب بمشاركتنا”. قلت: “أجل”. قال: “حسناً سنقتسم المقبرة بيننا، النقود كثيرة ولا داعي للقلق، قلبك ميت؟”. قلت بلا تردد: “أجل”. قال: “جيد، المقبرة في منطقة الأقصر في وادي الملوك إلى جوار معبد حتشبسوت، ستحضر إنت وأختك معنا”.
قلت بقلق: “أختي؟”. قال: “نعم، التميمة مرتبطة بأختك ولن تعمل دونها، الأمر لن يحتاج أكثر من ساعة، التميمة تعرف طريقها مثل البوصلة”. “مستحيل!” صرخت: “كوكي لن تغادر منزلنا أبداً”. رمقني الرجل بنظرة متمعنة: “انظر لما يمكنك فعله بكل النقود التي ستجنيها، ستصبح من أغنى أغنياء بلدتك، ستوفر لنفسك وأهلك حياة لائقة مريحة”.
مرة أخرى قلت: “مستحيل”. قال الرجل بصرامة: “الصفقة صفقة، تقبل كلها أو تترك كلها. ليس لدينا وقت، سنتحرك في المساء، كن بانتظارنا هنا مع أختك، يمكنك أن تضع لها منوماً ولن تفيق إلا بعد أن نفتح المقبرة وتأخذ حقك”.
رجعت على البيت دماغي متشتتة، صوت بيقولي كنت خدت شوية فلوس وريحت دماغك، وصوت بيقول مقبرة آثار خبطة واحدة هتخليك غني وتعيش أمك وأختك حياة جديدة مفيهاش فقر. شفت كوكي بتلعب بسعادة بعروستها من أيام، وكوكي واخدة جانب مني غير مهتمة إطلاقاً باللعب معايا، ووجدت سعادتها في غرفتها مع أوهامها، كانت كوكي بتلعب وهي بتبص عليا وأنا محرج منها لأني لحد اللحظة مقدرتش أفهم التخاريف اللي بتتكلم عليها وقدرت أقنعها إن كل اللي بتشوفه وهم وخيال.
سبت الصالة ودخلت غرفتي، لو كنت هاخد كوكي معايا لازم ألاقي سبب يقنع والدتي ويخليها متقلقش علينا. قعدت أفكر أعمل إيه لحد ما لقيت الحل، فيه فرح لواحد صديقي بكرة مكنتش ناوي أحضره أصلاً، هاخد كوكي معايا بحجة حضور الفرح وبالمرة أقولها إننا هنبات هناك ونرجع تاني يوم الصبح. لما خرجت من الغرفة كوكي مكنتش موجودة ودا كان أحسن، اتكلمت مع والدتي عن الفرح، والدتي وافقت، مكنش فيه سبب يدفعها للشك في نواياي، وأنا والله غرضي خير وأفدي كوكي بروحي.
عشت ليلة تعيسة كئيبة مليانة بأحلام وكوابيس بشعة لحد ما صحيت الساعة عشرة، وصلني اتصال بيأكد على الميعاد، وكان فاضل قدامي الموضوع الأصعب، إقناع كوكي تحضر معايا الفرح، لكن كوكي زي أي طفلة لما كلمتها عن الطبل والمزمار والمراجيح والحلويات وافقت وراحت تلبس فستانها الجديد لأنها بتبقى حلوة فيه. غيرت هدومي وانتظرت كوكي لحد ما جهزت، خرجت كوكي من غرفتها فرحانة، بعد كده وشها اتغير وبصت فيا مدة طويلة وهي ساكتة كأنها بتسمع حاجة مش سامعها.








