
تلاتة ونص.
يعني الوقت بيجري.
والأسرار بتجري معاه.
وأي تأخير ممكن يضيع كل حاجة.
لكن قبل ما أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوتها واطي فجأة.
واطي لدرجة إني قربت الموبايل أكتر من ودني.
وقالت
في حاجة تانية أمك سابتها وراها.
حاجة أهم من الفلوس.
وأهم من الصندوق نفسه.
حسيت إيدي بتبرد.
فكملت
وإنتِ مش الوحيدة اللي بتدوري عليها.
الكلمات دي نزلت على قلبي زي حجر.
لأن فجأة كل حاجة اتغيرت.
الموضوع ما بقاش مجرد ملايين.
وما بقاش مجرد ورق قديم.
ولا مجرد حقيقة إن سامح مش أخويا.
لا.
في ناس تانية بتدور.
وفي ناس تانية عارفة.
وفي ناس تانية مستعدة توصل للحاجة دي قبلي.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر من كتر الأسئلة.
وزقيت الموبايل جوه جيبي بسرعة.
وبعدين بصيت حواليّا في البيت.
البيت اللي عشت فيه عمري كله.
واللي فجأة حسيت إنه بقى مليان أسرار أكتر من الذكريات.
ومن غير ما أضيع ثانية واحدة، جريت ناحية الباب الخلفي.
الباب الصغير اللي بيطلع على بيت الجارة.
فتحت بهدوء وحاولت ما أعملش أي صوت.
وقلبي بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة إن أي حد قريب مني ممكن يسمعه.
عديت الجنينة الصغيرة بسرعة.
وبعدين بدأت أتسلق السور السلك الواطي اللي بين البيتين.
السلك خدش رجلي وأنا بعدي.
لكن والله العظيم
حتى الوجع ما حسيتش بيه.
لأن الخوف كان أكبر من أي وجع.
أول ما نزلت الناحية التانية لقيت الجارة واقفة تحت السقيفة بتغسل المواعين.
رفعت راسها أول ما شافتني وقالت باستغراب
في إيه يا بنتي؟ بتعملي إيه؟
لكن ماكنش عندي وقت أشرح.
ولا وقت أحكي.
ولا حتى وقت أفكر.
فقلت بسرعة وأنا مكملة جري
هقولك بعدين.
والله هقولك بعدين.
رفعت عينيها ناحية بيتنا.
وفي نفس اللحظة سمعنا صوت سامح وهو بيخبط على الباب بعنف أكبر.
فضلت باصة ناحيتي ثواني.
ثواني قليلة.
لكن حسيت إنها فهمت فيهم إن فيه مصيبة أكبر من أي كلام.
وإن فيه حاجة خطيرة بتحصل.
وبعدين قالت من غير ما تسألني سؤال واحد زيادة
روحي من الحارة اللي ورا.
ولو سألوا عليكي…
هقول إني ما شوفتكيش.
جريت وأنا حاسة إن الأرض نفسها بتجري من تحتي، والشبشب كان بيتزحلق مني مع كل خطوة بسبب المطر اللي غرق الشارع، وقلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة بيه في زوري، أما جواب أمي فكنت ضماه على صدري بإيدي بكل قوتي، كأني لو سبت إيدي عنه ثانية واحدة هضيع أنا كمان مع كل الأسرار اللي بدأت تتكشف قدامي.
والله العظيم ما كنتش شايفة الطريق قدامي كويس.
لا من المطر.
ولا من الدموع.
ولا من كمية الأفكار اللي كانت بتخبط في دماغي من كل ناحية.
سامح مش أخويا.
أمي مش أمي اللي أعرفها.
أبويا ما سابناش بمزاجه.
وفي ملايين الجنيهات مستخبية فوق سقف بيت عشنا فيه عمر كامل بنعد فيه ثمن رغيف العيش قبل ما نشتريه.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إن حياتي القديمة بتبعد عني أكتر.
ولما وصلت موقف الأتوبيس، ركبت أول أتوبيس رايح ناحية وسط البلد من غير ما أفكر.
قعدت جنب الشباك وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل.
ريحة المطر كانت مالية المكان.
ومتداخلة مع ريحة عرق الناس بعد يوم طويل.
ومع ريحة مخبوزات طالعة من كيس كانت ست كبيرة حاضناه في حضنها.
فضلت باصة من الشباك طول الطريق.
أشوف الشوارع وهي بتجري.
والمحلات.
والناس اللي ماشية تحت المطر.
وبرك الميه اللي مالية الأرض.
وأعمدة النور اللي انعكاسها بيتكسر فوق الميه.
وكل ما أبص حواليّا أحس بغصة أكبر.
لأن العالم كله كان ماشي عادي.
الناس رايحة شغلها.
والبياعين بينادوا على بضاعتهم.
والعربيات بتزمر.
وكأن مافيش بنت قاعدة جوه الأتوبيس لسه مكتشفة من أقل من ساعة إن حياتها كلها كانت كدبة كبيرة.
لما وصلت أخيرًا كنت مبلولة من رأسي لحد رجلي.
هدومي لازقة في جسمي من المطر.
وشعري متبهدل.
ورجلي لسه بتوجعني من الخدش اللي أخدته وأنا بعدي السور.
لكن وقتها ماكنتش حاسة بأي حاجة من ده.
لأن الخوف كان أكبر.
والأسئلة كانت أكتر.
وقفت قدام المبنى اللي الممرضة قالتلي عليه.
وكان مبنى قديم له هيبة غريبة.
مبني بالطوب الأحمر.
وفيه شرفات حديد قديمة.
وبجانب الباب كانت فيه لافتة نحاس لامعة مثبتة على الحيطة.
وقفت أبص لها ثواني طويلة.
وحسيت إن الخطوة اللي هخطيها دلوقتي ممكن تغيّر حياتي كلها.
لأن من ساعة ما فتحت الصندوق وأنا كل دقيقة بكتشف حقيقة جديدة.
وكل حقيقة كانت أخطر من اللي قبلها.
أخدت نفس طويل.
ودخلت.
أول ما دخلت رفعت موظفة الاستقبال عينيها من على المكتب وبصتلي من فوق لتحت.
وكان واضح إنها شافت شكل هدومي المبلولة.
وشافت الإرهاق اللي مالي وشي.
وشافت عينيّا اللي باين عليهم إني ما نمتش ولا ارتحت من أيام.
وقالت بهدوء
عندك ميعاد؟
وقفت قدامها ثواني.
وحسيت إن الكلمات نفسها صعبة تطلع من بقي.
لكن في الآخر قلت
أنا هناء.
بنت فاطمة عبدالعال…
أو
يمكن بنت مريم المنشاوي.
والله العظيم أول ما نطقت الاسم التاني لقيت ملامحها اتغيرت بالكامل.
اختفى البرود من وشها فجأة.
وقامت من مكانها بسرعة من غير ما تسألني أي سؤال.
ولا طلبت بطاقة.
ولا حتى استفسرت أنا مين.
كأن الاسم لوحده كان كفاية.
اختفت جوه المكتب.
وسابتني واقفة لوحدي.
فضلت أبص حواليّا وأنا حاسة إن دقات قلبي بقت أعلى من أي صوت حواليا.
كل ثانية كانت بتعد كانت بتزود توتري.
لحد ما بعد دقيقتين تقريبًا شفت باب داخلي بيتفتح.
وخرج منه راجل كبير في السن.
كان لابس بدلة رمادي أنيقة.
وماسك عصاية في إيده.
وخطواته بطيئة شوية.
أما عينيه فكان فيهم تعب سنين طويلة.
لكن أول ما شافني وقف.
وقف وبصلي بطريقة خلت القشعريرة تمشي في جسمي كله.
لأنه ما بصليش كأنني زبونة جاية تسأل عن قضية.
ولا كأنني بنت غريبة داخلة المكتب لأول مرة.
بصلي كأنه يعرفني.
كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
كأنه شاف ملامحي قبل كده مئات المرات.
ولما قرب أكتر نطق اسمي بهدوء غريب
هناء.
اتجمدت مكاني.
لأنه ما
سألنيش أنا مين.
وما طلبش أعرّف نفسي.
وما بصش حتى للموظفة عشان يتأكد.
عرفني من أول نظرة.
وكأن أمي كانت محضراه لليوم ده من زمان.
وبعدين أشار بعصايته ناحية مكتبه وقال بصوت هادي لكنه مليان معنى
اتفضلي يا بنتي. أنا مستنيكي من سنين.
دخلت وراه المكتب وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر اللي سمعته وعرفته في الساعات الأخيرة، وأول ما عديت الباب حسيت إني دخلت عالم مختلف تمامًا عن البيت القديم اللي كنت قاعدة فيه من شوية.
ريحة الخشب القديم كانت مالية المكان.
ريحة قهوة متخمرة من وقت قريب.
وريحة ورق وملفات متخزنة بقالها سنين طويلة.
على الحيطة كانت معلقة صورة قديمة للمدينة من زمن فات، وبجوارها برواز كبير باين عليه إنه قديم وغالي، وكل حاجة في المكتب كانت بتقول إن المكان ده شايل أسرار أكتر مما شايل أوراق.
قفل المحامي الباب بنفسه.
وبعدين لف ناحيتي.
أما أنا فكنت حاسة إن ركبي بتترعش بشكل مخيف.
لدرجة إني قعدت على أول كرسي شوفته قبل حتى ما يطلب مني أقعد.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين خرج السؤال من بقي غصب عني.
قلت
ليه؟
ليه أمي ما قالتليش أي حاجة؟
ليه سابتني أعرف كل ده بعد ما ماتت؟
ساعتها شفت الحزن يعدي في عينيه للحظة.
وقال بهدوء
لأنها كانت خايفة.
مش خوف عادي.
كانت مرعوبة إن عيلة المنشاوي تتحرك قبل ما تموت.
وكانت مرعوبة أكتر إن الأذى يوصلك إنتِ.
بلعت ريقي.
وقلت
وسامح؟
سامح كان عارف؟
تنهد المحامي وهو بيقعد قدامي.
وقال
مش من الأول.
الحقيقة إنه بدأ يعرف من فترة قريبة.
في حد من عيلة المنشاوي وصله.
حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن فجأة كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
استعجاله على بيع البيت.
أسئلته الكتير.
اهتمامه المفاجئ.
وإصراره إنه يدخل البيت بعد وفاة أمي مباشرة.
كأنه كان بيدور على حاجة معينة.
مش على ورث.
ولا على البيت.
على حاجة أكبر.
المحامي مد إيده ناحية أحد الأدراج.
وطلع ملف كبير.
أكبر من كل الملفات اللي شفتها من ساعة ما فتحت الصندوق.
ملف تخين ومتقسم بأوراق ومستندات كتير.
وحطه قدامي على المكتب.
وقال
ده آخر ملف سابته والدتك.
فتحت الملف ببطء.
أما هو فكمل كلامه
دي الوصية الرسمية.
وصية مريم المنشاوي… المعروفة عند الناس باسم فاطمة عبدالعال.
الوصية متوثقة بالكامل.
ومتسجلة قانونيًا.
وفيها كل التعليمات اللي كانت عايزة تتنفذ بعد وفاتها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.
لأن كل مرة كنت بفتح فيها ورقة جديدة كنت باكتشف إن حياتي كلها كانت مختلفة عن اللي كنت فاكراه.
بصيت لأول صفحة.
وكانت الكلمات واضحة قدام عيني.
واضحة لدرجة خوفتني.
لأن أول اسم شوفته كان اسمي أنا.
اسمي مكتوب في أول السطر.
بخط كبير ورسمي.
وقفت عيني على الكلمات وأنا مش قادرة أتنفس.
هناء عبدالعال…
كملت قراية.
ومع كل كلمة كان قلبي بيدق أسرع.
الابنة الشرعية والوحيدة المعترف بها للسيدة مريم المنشاوي…
شهقت من غير ما أحس.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.
السطر اللي خلاني أرفع عيني للمحامي وأنا مش مصدقة اللي بقراه.
لأن الورقة كانت بتقول إن كل ممتلكات أمي…
وكل حساباتها وكل حقوقها آلت بالكامل ليا أنا وحدي.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
الكلمات اللي كانت مكتوبة قدامي كانت كبيرة جدًا على إني أستوعبها مرة واحدة.
ورغم إني من ساعات بس اكتشفت إن أمي كانت مخبية ملايين، وإن حياتها كلها كانت سر، وإن سامح مش أخويا الحقيقي، إلا إن أول حاجة خرجت من بقي كانت
أنا مش عايزة فلوسهم. قولتها من قلبي. بكل صدق.
لأن الفلوس دي فجأة حسيتها تقيلة.
تقيلة بالوجع. تقيلة بالسنين
اللي أمي عاشتها وهي مستخبية.
تقيلة بالخوف اللي أكل عمرها كله رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.
فلقيته بيبصلي بنظرة حزينة كأنه سمع الجملة دي قبل كده.
كأنه كان متوقعها.
وهز راسه بهدوء وقال




