
قبل أسابيع قليلة، نزل علينا الخبر كالصاعقة. زوجة أخي، سحر، تلك الإنسانة الهادئة والنقية، جاءت نتائج تحاليلها لتؤكد أسوأ مخاوفنا. استوطن في صدرها. قال الأطباء إنها محظوظة لأن المرض ما زال في المرحلة الأولى، ولكنهم كانوا حاسمين لا بد من جراحة عاجلة، لضمان عدم انتشار الخلايا في بقية جسدها.
بالنسبة لسحر، كان الخبر صدمة هزت كيانها، لكن رغبتها في الحياة وفي البقاء لأجل من تحب جعلتها تتماسك. أما بالنسبة لمحمود، فكان رد فعله مغايراً تماماً، رد فعل لم نكن نتوقعه وصدمنا جميعاً.
تذكرتُ تلك الليلة المشؤومة عندما صرخ محمود في وجهها قائلاً بقسوة لم أعهدها فيه:
ـ عملية إيه اللي تعمليها؟ أنتِ عارفة ده معناه إيه؟ شكلك هيبقى وحش جداً.. مش هقدر أبص في وشك ولا أقرب منك! شوفي أي علاج تاني، أدوية، أي حاجة.. لكن رفض قاطع مش هسمح بيه!
كانت سحر تبكي بحرقة، تحاول أن تشرح له والخوف يملأ عينيها:
ـ يا محمود ده مرض خطير.. الدكاترة قالوا دي الطريقة الوحيدة عشان أعيش.. المرض مبيستناش!
لكن محمود، ونظراته الضيقة للأمر، أصر على موقفه ورفض تماماً. وتحت ضغطه الشديد وخوفنا نحن أيضاً من تداعيات المرض، تراجعنا وحاولنا إقناعها بالصبر. غير أن سحر كانت تذبل يوماً بعد يوم، كانت تشتكي باستمرار من الألم، وتقول إنها تعبانة جداً، وجاءت التحاليل الأخيرة لتبين أن المؤشرات ترتفع بشكل مخيف.. كانت تصرخ صمتاً ولا أحد يستمع إليها.
وفجأة، وبدون أي مقدمات أو مؤشرات، اختفت سحر.
في الصباح، لم نجدها في الشقة. اعتقدنا في البداية أنها ذهبت لشراء بعض المستلزمات، لكن مرور الساعات دون أي أثر لها ولأغراضها الشخصية البسيطة جعل القلق يتسرب إلى قلوبنا. تحول القلق إلى صدمة عندما رن هاتف المنزل، وكان المتحدث هو والد سحر.
قال والدها بصوت حازم، يحمل نبرة تحدٍ وألم في آن واحد:
ـ بنتنا عندنا يا جماعة.. وإحنا دلوقتي في المستشفى، ودخلناها العمليات عشان تعمل الجراحة وتنقذ حياتها. بنتي كانت بتموت وراجلها واقف يتفرج عليها عشان مظاهر كدابة!
بمجرد أن سمع محمود هذه الكلمات، فقد السيطرة على أعصابه تماماً. تملك منه الجنون، وبدأ يكسر ما حوله في الصالة وهو يصرخ بملء صوته:
ـ عملوا إيه؟! عملوها من ورايا؟! اتجرأوا ودخلوها العمليات من غير إذني ومن ورا ظهري؟! والله العظيم ما هعديها، والست دي ملهاش رجوع البيت ده تاني! ومش دافع مليم واحد.. ولا جنيه! خليهم يشيلوا شيلتهم!
حاول والدي تهدئته، وصاحت أمي وهي تبكي خوفاً من غضبه ومن مصير سحر، لكن محمود كان في حالة غياب تامة عن الوعي، مدفوعاً بكرامته الجريحة ورؤيته للأمر كإهانة شخصية وتمرد على كلمته.
أمسك محمود بمفاتيح سيارته وخرج مسرعاً، يملأه الغل والرغبة في المواجهة. شعرتُ بخوف شديد من أن يرتكب حماقة، فلحقتُ به فوراً وركبتُ بجواره. كان يقود بسرعة جنونية متوجهاً إلى المستشفى التي تقبع فيها زوجته بين الحياة والموت تحت سكين الجراح.
وصلنا إلى المستشفى، وكان الممر يؤدي إلى غرفة العمليات يغمره صمت ثقيل، يقطعه فقط دعاء والدة سحر وانتحابها. بمجرد أن رأى محمود والد سحر يجلس على المقعد، اندفع نحوه وعيناه تتطاير منهما الشرار، وصاح بصوت زلزل أرجاء المكان:
ـ يا عمي! بقى بتستغفلوني وتعملوا العملة دي من ورايا؟! بتكسروا كلمتي؟! اعتبروا بنتكم طالق، ومش هتدخل بيتي تاني، ومصاريف المستشفى دي تدفعوها من جيبكم!
وقف والد سحر، ورغم كبر سنه، إلا أنه نظر إلى محمود بنظرة احتقار شديدة، ولم ينطق بكلمة، بل رفع يده وأشار إلى باب العناية المركزة، حيث بدأت الأضواء الحمراء فوق الباب تومض فجأة، وخرج الممرضون يركضون في ارتباك واضح..
شحب وجه الجميع، وتحولت المواجهة فجأة إلى رعب من نوع آخر.. ماذا حدث داخل غرفة العمليات؟
اندفع محمود ناحية والد سحر وكأنه على وشك أن يفقد آخر ذرة من عقله، لكن قبل ما يوصل له، خرج دكتور التخدير من باب العمليات بسرعة وهو بينادي على الممرضين:
ـ هاتوا وحدات الدم بسرعة… بسرعة!
تجمد محمود مكانه.
كل اللي في الممر وقفوا.
أم سحر شهقت وحطت إيديها على قلبها.
أما والدها فكان واقف ثابت، وعينه على باب العمليات كأنه مش شايف أي حد حواليه.
محمود حاول يتماسك وسأل الدكتور بصوت متقطع:
ـ في إيه؟! حصل إيه؟!
لكن الدكتور ما ردش، وكمل جري.
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
لأول مرة من يوم ما عرف بالمرض، بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلب محمود.
مش خوف على شكله قدام الناس.
ولا خوف على كلمته اللي اتكسرت.
خوف من فكرة واحدة بس… ماذا لو؟
جلس على الكرسي المقابل للعمليات وهو يضغط على رأسه بين كفيه.
وفجأة خرج الجراح الرئيسي.
الكل وقف في نفس اللحظة.
الدكتور خلع الكمامة ونظر للجميع:
ـ العملية تمت…
تنفس الجميع الصعداء.
لكن الدكتور أكمل بنبرة جادة:
ـ في حاجة لازم تعرفوها.
ساد الصمت.
حتى صوت أجهزة المستشفى اختفى من آذانهم.
نظر الدكتور مباشرة إلى محمود وقال:
ـ لو كانت اتأخرت أسبوعين أو تلاتة كمان، كانت فرص السيطرة على المرض هتقل بشكل كبير جداً.




