
كان بعد ظهر صيفي هادي في مستشفى “ريفرسايد”، لما الممرضة إيما كولينز دخلت أوضة رقم 409. جوا الأوضة كان نايم ألكسندر غرانت، ملياردير ومؤسس شركات، وكان في غيبوبة بقاله تقريبًا ست شهور بعد حادثة طيارة خاصة. بالنسبة لطاقم المستشفى، كان مجرد مريض تاني—غني، بعيد، وميت بدون حياة. لكن بالنسبة لإيما، كان أكتر من كده.
كل يوم، بعد ما تخلص شفتها، كانت تقعد جنبه، تقراله كتب، وتحكيله عن حياتها، وبتأمل إنه يسمعها بطريقة ما.
في يوم من الأيام، وهي بتعدل الغطاء عليه، همست وقالت:
“عارف؟ شكلك مرتاح كده… الدنيا برا بتجري، وإنت هنا ساكن.”
إيما نفسها ما كانتش فاهمة ليه مهتمة بيه كده… يمكن عشان تعبير وشه الهادئ، أو يمكن عشان الوحدة اللي حستها فيه وشافت نفسها فيها.
وفي يوم، بعد ما خلصت شفتها، فضلت جنبه أطول من العادة. إيده كانت دافية في إيديها.
“ألكسندر… يا ريت تصحى، ولو مرة واحدة بس.”
قلبها بدأ يدق بسرعة. وخرجت، ووشها كله إحراج وندم.
لكن الصبح اللي بعده، حصلت فوضى في المستشفى. أجهزة المراقبة في أوضة 409 كانت بتصفر جامد. الممرضين بيجروا وبيصرخوا:
“فاق! هو فاق!”
إيما وقفت في الممر، قلبها كان هيقف لما سمعت صوته المبحوح وهو بيسأل:
“فين الممرضة اللي كانت بتقرالي؟”
وهنا دخلت وشافته وحس بيها.
قالها أنا مش فاكر حاجة غيرك.
وقلبها طار من الفرحة ولكن خرج من المشفى بعد استقرار حالته.
وقلبها اتعلق بيه وبأخباره وذكرياته.
وابتدي فصل جديد من حياتها بمتابعتها لأخباره كمان هو قلبه متعلق بيها.
وبقى فيه تواصل ابتدي بإصدارات ولسه دايماً بيتعرفوا على بعض.
بعد خروج ألكسندر من المستشفى وعودته إلى قصره ومشاغله، بقيت ألكسندر وإيما على تواصل مستمر؛ بدأ هذا التواصل برسائل اطمئنان بسيطة عبر الهاتف، ثم تطور شيئاً فشيئاً ليصبح حديثاً يومياً لا ينقطع.
في إحدى الأيام، وبينما كانت إيما تنهي مناوبتها الليلية المتعبة، تلقّت اتصالاً غير متوقع من رقم مألوف. أجابت بصوت يملؤه الفضول: — “ألو؟” جاءها صوته العميق والهادئ من الطرف الآخر: — “إيما.. هل يمكنكِ ألا تعودي إلى منزلكِ مباشرة اليوم؟ هناك شخص يريد رؤيتكِ حقاً.”
قبل أن تتفوه بكلمة، كانت سيارة سوداء فخمة تتوقف بهدوء أمام بوابة المستشفى. فتح السائق الباب، ولحظتها رأت ألكسندر يقف أمام السيارة، بكسرات خفيفة حول عينيه تزيد وسامته، وابتسامة صادقة لم تره يرتديها قط طوال مدة غيبوبته.
قالت بدهشة وهي تقترب: — “ألكسندر! ماذا تفعل هنا بنفسك؟ حالتك الصحية ما زالت…” قاطعها وهو يفتح لها باب السيارة برفق: — “حالتي أصبحت ممتازة، خصوصاً الآن. لقد أمضيت شهوراً أتخيل وجهكِ وأنتِ تقرأين لي الكتب وأنا عاجز عن الرد. اليوم، أريد أن أسمع صوتكِ وأنتِ تحدثينني وأنا بكامل وعيي.”
ركبت إيما السيارة، وانطلقت بهما نحو أحد المطاعم المطلة على النهر في أضواء المساء الهادئة. وهناك، بعيداً عن أضواء المستشفيات ورسميات عالم رجال الأعمال، بدأ الثنائى يتعرفان على بعضهما حقاً؛ تحدثا عن المخاوف القديمة، الذكريات، الأيام الصعبة التي مرت بها إيما في عملها، وسنوات الوحدة التي عانى منها ألكسندر وسط زحام الأموال والشركات.
شعر ألكسندر لأول مرة أن ثروته الكبيرة لم تكن تعني شيئاً مقارنة بالدفء الذي وجده في حضور إيما وبساطتها. أما هي، فأدركت أن ذلك المريض الصامت الذي شعرت نحوه بالشفقة والتعاطف يوماً، قد تحول إلى السند الحقيقي الذي لطالما انتظرت طوال حياتها أن تجده بجانبها.
ومن تلك الليلة، أُسدل الستار على أيام الوحدة والغياب، وبدأت صفحة جديدة حقيقية ومشرقة في حياتهما معاً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




