قصص و روايات

البيت المسكون

انتهت مراسم الدفن والعزاء بحلول المساء، وذهب المعزون شيئاً فشيئاً وهم يشعرون بفيض من الشفقة والأسى على اليتيمين اللذين بقيا في مواجهة قسوة الحياة بمفردهما. بقيت الصبية المراهقة ريم، ذات الستة عشر ربيعاً، مع أخيها الصغير أحمد البالغ من العمر تسع سنوات، في بيتهما الذي بدا موحشاً وبارداً بعد وفاة أمهما المفاجئة، والتي تبعت وفاة والدهما قبلها بست سنوات كاملة.

 

مقالات ذات صلة

كان أحمد يمسح دموعه بحرقة، ويقول بصوت مكسور:
— ها قد ماتت أمي أيضاً يا ريم.. وبقينا لوحدنا في هذه الدنيا الواسعة، ما الذي سنفعله الآن؟

نظرت إليه ريم وهي تخفي غيمة حزنها العميقة وراء ابتسامة مصطنعة لترفع من معنوياته:
— لا تقلق يا أخي الحبيب، سنكون بخير، أعدك بذلك.

سألها أحمد بتردد:
— ألن نعيش في بيت خالتي كما قالت لنا اليوم؟

أجابت بحزم وهدوء:
— لا يا أحمد، بيت خالتي بعيد جداً عن مدارسنا، سنبقى هنا في بيتنا، وسنتدبر أمورنا بمفردنا، فأنا لم يعد يفرقني عن مرحلة الثانوية العامة سوى خطوات معدودة.

تطلع إليها الطفل بعينين تملؤهما الحيرة:
— وماذا عن المال يا ريم؟ من أين سنأتي بمصاريف المعيشة والدراسة؟

ردت وهي تربت على كتفه بحنان:
— تركت لنا أمي مبلغاً من المال يكفينا لعدة شهور، أكون حينها قد أنهيت امتحانات الثانوية ووجدت عملاً جزئياً نعيش منه. المهم الآن أن نقتصد قدر المستطاع، فلا حلويات ولا ألعاب باهظة الثمن إلا في المناسبات النادرة.

هز أحمد رأسه فهماً، ثم دخلت ريم غرفتها بعد أن اطمأنت عليه وأغطته في فراشه. وهناك، بعيداً عن عينيه، أطلقت العنان لدموعها حتى بللت وسادتها، وهي تشعر بثقل الجبال على عاتقها جراء المسؤولية الضخمة التي تركها والداها الراحلان. كانت تحدث نفسها بصوت همس خافت:
— لابد أن أكون قوية صلبة من أجل أخي.. سيكون علي منذ الغد تعلم الطبخ، وإدارة شؤون المنزل، ومضاعفة جهدي في الدراسة. آه يا أمي، ليتك انتظرتِ لحين إتمامي دراستي، فهذه أصعب سنة دراسية في عمري، وأتمنى ألا أخفق فيها.

ظلت تبكي وتدعو في جوف الليل إلى أن غلبها النعاس ونامت من شدة الإرهاق.

في اليوم التالي، عادت ريم إلى بيتها مسرعة بعد انتهاء دوامها المدرسي، بعد أن اشترت قسماً يسيراً من الخضراوات لتطبخها لأخيها الذي بقي طوال ساعات الصباح في بيت جارتهم الطيبة. وما إن فتحت باب الشقة حتى استنشقا معاً رائحة طعام زكية وفواحة تملأ المكان! وحين دخلا إلى المطبخ، وجدا على مائدة الطعام أصنافاً متنوعة من الأطباق اللذيذة التي يعشقانها بجنون.

سأل أحمد بدهشة وهو يلوي عنقه نحو الأكل:
— ريم.. هل طلبتِ من جارتنا أن تطبخ لنا هذا الطعام الفاخر؟ وهل تمتلك مفتاح بيتنا لتدخل هكذا؟

أجابت ريم وهي تنفي بيديها بتعجب بالغ:
— لا.. لم أعطه لأحد قط، ولا حتى لجارتنا. إذاً، من دخل بيتنا وأعد لنا هذا الغداء البهي؟

جلس أحمد على كرسي المائدة غير مهتم بالألغاز وقال بصراحة:
— لا أدري.. ولا يهمني حقاً، اسكبي لي طبقاً فأنا جائع جداً أكاد أهلك من الجوع.

أكلا طعامهما بتهامس وحيرة، وبعد أن انتهيا، طلبت منه ريم أن يشاركها ترتيب المائدة. وحين دخلا المطبخ لتنظيف الأطباق، تفاجأت الصبية بأن الحوض يخلو تماماً من أي أطباق أو أوانٍ؛ بل كان نظيفاً ولامعاً كأن شيئاً لم يكن، على عكس ما تركته عليه البارحة تماماً!

هتفت ريم بصوت يرتجف:
— أحمد.. هل غسلت الصحون قبل أن تذهب للمدرسة؟
أجابها باستنكار:
— ما بك اليوم يا ريم؟! ألم تأخذيني بنفسك من بيت جارتنا قبل قليل؟ كيف اغسلها وأنا لم أدخل البيت أصلاً؟
لطمت ريم كفاً بكف وقالت:
— إذاً من الذي ينظف ويطبخ ويساعدنا؟! أكاد أجـن من هذا اللغز!
قال أخوها ببراءة طفولية:
— ربما خالتي جاءت وفعلت ذلك.
ردت بسرعة:
— لا أظن أن أمي أعطتها نسخة من مفتاح هذه الشقة طوال حياتها.
— ربما فعلت ذلك حين اشتد عليها المرض وصارت لا تقوى على الحراك.
— معك حق.. سأتصل بها بعد قليل لأشكرها على صنيعها.

لكن المفاجأة أن الخالة أنكرت تماماً علمها بالأمر حين اتصلت بها ريم، وكذلك فعلت الجارة الطيبة، مما ألقى بظلال من الحيرة والرعب الخفي في قلب ريم. والأغرب من ذلك أن هذا السيناريو الغامض تكرر بحذافيره كل يوم؛ طعام شهي ينتظرهما، ومنزل نظيف ومرتب، دون أن يظفر أحدهما بأي أثر للشخص المجهول الذي يتولى رعايتهما في الخفاء!

وفي إحدى ليالي الأسبوع الثالث، استيقظت ريم في منتصف الليل لتشرب الماء، وقبل أن تعود إلى فراشها، مرت صدفة بجانب غرفة أخيها الصغير، فسمعته يهمس بصوت منخفض وهو يدندن لحناً قديماً ومألوفاً للغاية. توقفت في مكانها، وفتحت الباب ببطء شديد لتدخل عنده وتسأله:
— هذه الأغنية.. إنها أغنية أمي! كانت تغنيها لك مراراً حين كنت طفلاً رضيعاً.. فكيف عرفت كلماتها وألحانها وأنت لم تكد تحفظ شيئاً بعد وفاتها؟

أجابها أحمد بنعاس شديد وغمش في عينيه:
— أنتِ من غنيتها لي قبل قليل يا ريم وأنتِ تلاعبين شعري وأنا نائم.
اتسعت عيناها ذعراً وهتفت بصدمة:
— ماذا؟! أنا لم أطأ هذه الغرفة قط طوال هذه الليلة ولم ألمس شعرك!

لكنه لم يجبها، إذ كان قد استغرق في النوم العميق مجدداً. عادت الأخت إلى غرفتها مرعوبة، وهي تحدث نفسها بهستيريا:
— يا الهي! ما الذي يحدث حقاً في هذا البيت الملعون؟

وذات يوم، اشتدت بها لوعة الشوق والحنين لأمها الراحلة، ففكت قفل غرفة أمها التي ظلت مغلقة تماماً منذ وفاتها قبل ثلاثة أأسابيع. دخلت إلى الداخل، وجلست على السرير تبكي بحرقة وصمت، وصارت تحادث خيال أمها الوهمي وتبوح لها بكل أسرارها وهمومها الدراسية والنفسية. وقبل أن تغفو ريم من شدة البكاء بثوان معدودة، أحست بلمسة يد حنونة دافئة تشبه تماماً لمسة أمها الحانية وهي تربت على ظهرها بحنو بالغ. في تلك اللحظة لم تشعر بالخوف، لكن الرعب الحقيقي تملّكها في صباح اليوم التالي حين تذكرت تفاصيل ذلك الإحساس، وتساءلت بذعر:
— هل حلمت حقاً بأن أمي نائمة بجانبي.. أم أنني بدأت أفقد عقلي وأهلوس من كثرة الضغوط؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى