قصص و روايات

حماتي قلبت حكايات مني

هو ما تحركش.

الرجل الغريب قال بهدوء:

— كفاية.

ثم أخذ الظرف الأبيض من يد أحمد.

أحمد حاول يمنعه، لكنه وقف مكانه.

الرجل مد الظرف لي.

— ده حقك.

فتحته.

كان بداخله خطاب بخط يد أمي.

أول سطر خلاني أبكي قبل حتى ما أكمل:

“لو مريم بتقرأ الرسالة دي، يبقى اليوم اللي كنت بخاف منه وصل.”

إيدي ارتعشت.

كملت القراءة.

“بنتي، فيه ناس هتحاول تقنعك إن أبوكي أخفى عنك الحقيقة عشان يحمي نفسه…”

رفعت عيني لأبويا.

كان واقف بعيد، ووشه مليان حزن.

رجعت للرسالة.

“لكن الحقيقة إن أبوكي أخفى الحقيقة عشان يحميكي من شخص واحد…”

وتحتها كان اسم.

اسم جعلني أرفع رأسي بصدمة.

بصيت للرجل الغريب.

ثم لأحمد.

ثم لأبويا.

وسألت:

— مين كمال عبدالسلام؟

حماتي شهقت.

داليا حطت إيدها على بقها.

أما أحمد…

فجلس على الكرسي كأنه فقد كل قوته.

الرجل الغريب قال:

— لأن كمال عبدالسلام مش مجرد اسم في الماضي.

ثم نظر لأحمد.

— ده أبوك.

سكتت الغرفة.

وأنا شعرت إن كل شيء كنت أعرفه عن أحمد…

كان مجرد كذبة صغيرة فوق سر أكبر بكتير.

لكن قبل ما أقدر أسأل أي سؤال، رن هاتف حماتي.

نظرت للشاشة.

ثم تغير لون وجهها.

وقالت بصوت مرتجف:

— كمال… خرج من المستشفى.

رفع الرجل الغريب رأسه بسرعة.

— مستحيل.

حماتي همست:

— وبيقول إنه جاي على الشركة دلوقتي.

أحمد وقف فجأة.

— لازم نمشي.

لكن الرجل الغريب أمسك ذراعه.

وقال:

— لأ.

ثم نظر إليّ.

— المرة دي، مريم لازم تسمع الحقيقة من صاحبها بنفسه.ما لحقتش أستوعب كلام الرجل، حتى سمعنا صوت خطوات في الممر.

خطوات بطيئة…

لكنها كانت تقترب من غرفة الاجتماعات.

أحمد وقف مكانه.

حماتي قربت منه وهمست:

— اعمل حاجة!

رد عليها:

— أعمل إيه؟ هو وصل.

مقبض الباب اتحرك.

وانفتح الباب ببطء.

دخل رجل مسن، ملامحه متعبة، وفي إيده عصا.

وقفت أنفاسي.

بص لكل الموجودين.

وبعدين عينيه ثبتت عليّ.

فضل ساكت ثواني طويلة.

ثم قال:

— مريم؟

صوتي خرج ضعيف:

— أيوه.

اقترب خطوة.

— شبه أمك جدًا.

الكلمة دي هزتني.

— إنت كنت تعرف أمي؟

رفع عينه لأبويا.

— أبوكي ما قالكيش؟

أبويا نزل عينه للأرض.

كمال ابتسم بحزن.

— كنت متأكد.

أحمد قال بعصبية:

— بابا، إحنا مش جايين نفتح الماضي.

كمال بصله.

— أنا اللي أقرر إيه اللي يتفتح وإيه اللي يتقفل.

ثم جلس.

أنا فضلت واقفة.

— أنا عايزة أعرف الحقيقة.

كمال أشار لي بالجلوس.

— اقعدي يا بنتي.

جلست.

وبدأ يتكلم:

— من عشر سنين، أمك كانت شريكة في تأسيس الشركة.

شهقت.

— أمي؟

— أيوه.

— وليه اسمها مش موجود؟

كمال بص لأبويا.

— لأن أبوكي شال اسمها من كل الأوراق بعد وفاتها.

بصيت لأبويا بصدمة.

— بابا؟

أبويا رفع عينه.

— عملت كده عشان أحميكي.

صرخت:

— تحميني من إيه؟!

كمال رد بدلًا منه:

— من صفقة كان المفروض تنتهي ببيع نص الشركة… لكن أمك رفضت.

سكت لحظة.

— وبعد رفضها، حصلت مشاكل كبيرة.

أحمد قاطعه:

— بابا، كفاية.

كمال تجاهله.

— أمك قبل وفاتها بيوم واحد كتبت وثيقة.

فتح حقيبته وأخرج نسخة قديمة.

— وقالت إن نصيبها ينتقل ليكي لما تكملي خمسة وثلاثين سنة، أو في حالة انفصالك عن زوجك.

اتسعت عيني.

— يعني…

كمال هز رأسه.

— انفصالك عن أحمد فعّل حقك في الأسهم.

الغرفة كلها سكتت.

حماتي قالت بسرعة:

— بس هي وقعت إنها تتنازل!

كمال التفت لها.

— التوقيع مزور.

ثم نظر لأحمد.

— وإنت عارف ده من البداية.

أحمد لم يرد.

أنا بصيت له.

— عشان كده اتجوزتني؟

أحمد رفع عينه.

— مريم…

— جاوبني!

ظل ساكتًا.

لكن كمال قال:

— لا.

ثم أضاف:

— جوازه منك ما كانش عشان الأسهم.

تجمدت.

— أمال ليه؟

كمال فتح ورقة أخرى.

— لأن أمك تركت رسالة ثانية… فيها اسم الشخص اللي كانت بتخاف منه.

أخذت الورقة.

وقرأت الاسم.

وشعرت بصدمة أكبر من كل اللي حصل.

الاسم لم يكن اسم كمال.

ولم يكن اسم أحمد.

كان اسم شخص واحد…

شخص موجود داخل شركتكم لحد النهارده.

رفعت عيني.

— مين الشخص ده؟

كمال بص للباب.

ثم قال:

— قبل ما أقولك…

لازم تعرفي إن الشخص ده كان موجود هنا من عشر دقايق.

وفجأة…

أحد الموظفين دخل مسرعًا وقال:

— أستاذ محمود! في مصيبة!

أبويا وقف.

— إيه؟

الموظف قال:

— حد دخل على مكتبك وسرق الخزنة الصغيرة.

أنا بصيت لأبويا.

— الخزنة اللي فيها النسخة الأصلية؟

هز رأسه.

— أيوه.

وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة من الرقم المجهول:

“لو عايزة تعرفي مين سرقها… بصي وراكي.”

استدرت ببطء.

وكان الشخص الوحيد اللي واقف خلفي…

هو الشخص اللي كنت أعتقد إنه جاء اليوم عشان يساعدني.استدرت ببطء.

كان الرجل الغريب واقف خلفي.

نظراته كانت ثابتة، وملامحه هادئة بشكل مخيف.

حدقت فيه.

— إنت؟

ما ردش.

كمال ضرب عصاه في الأرض.

— محمود… ابعد بنتك عنه.

أبويا تحرك فورًا، ووقف بيني وبينه.

الرجل ابتسم.

— لسه بتخاف عليها يا محمود؟

أبويا قال بغضب:

— إنت ما كانش المفروض تظهر هنا.

أحمد بص لأبوه، ثم للرجل.

— أنا مش فاهم حاجة.

الرجل رد:

— ودي أول مرة تقول الحقيقة النهارده.

حماتي بدأت تتراجع ناحية الباب.

داليا مسكت إيدها.

أنا بصيت لأبويا.

— مين هو؟

أبويا أخذ نفسًا عميقًا.

— اسمه سامح.

سامح ابتسم.

— أخيرًا.

كمال قال:

— سامح كان شريك أمك في أول مشروع ليها.

اتصدمت.

— أمي كانت تعرفه؟

— وكانت تثق فيه.

سامح قاطعه:

— لحد ما اكتشفت إن حد كان بيسرق منها.

نظرت لأحمد.

ثم لأبويا.

— مين؟

سامح قال:

— الشخص اللي كانت أمك بتدور وراه قبل وفاتها.

ساد الصمت.

وفجأة، داليا قالت:

— أنا أعرف.

الكل بص لها.

حماتي صرخت:

— داليا!

لكنها كملت وهي تبكي:

— ماما كانت عارفة.

أنا قربت منها.

— عارفة إيه؟

— إن فيه حد كان بياخد فلوس من الشركة من سنين.

— مين؟

داليا بصت لأحمد.

أحمد هز رأسه بسرعة.

— ما تبصيش لي.

داليا قالت:

— مش أحمد.

أنا اتنفسّت.

لكنها أكملت:

— الشخص ده كان بيستخدم اسم أحمد من غير ما أحمد يعرف.

أحمد اتجمد.

— إيه؟

سامح اقترب من الطاولة.

— وده سبب كل اللي حصل.

أخرج هاتفه، وشغّل تسجيلًا صوتيًا قديمًا.

سمعت صوت امرأة.

صوت أمي.

كان واضحًا رغم مرور السنين:

— “لو حصل لي حاجة، متخليش مريم تعرف أي حاجة عن الموضوع إلا لما تكون بعيدة عنهم.”

صوت رجل سألها:

— “بعيدة عن مين؟”

أمي ردت:

— “عن عيلة عبدالسلام.”

ثم سكت التسجيل.

أنا بصيت لكمال.

— ليه أمي كانت خايفة منكم؟

كمال قال:

— لأنها اكتشفت إن حد من عيلتي كان بيخدعها.

ثم أضاف:

— لكن مش الشخص اللي في بالك.

وفجأة، سامح مد إيده في جيبه وأخرج مفتاحًا صغيرًا.

حطه قدامي.

— ده مفتاح الخزنة اللي اتسرقت.

أبويا اتصدم.

— إنت اللي فتحتها؟

سامح هز رأسه.

— لأ.

— أمال المفتاح معاك ليه؟

ابتسم.

— لأن اللي سرق الخزنة… مش محتاج مفتاح.

سكت.

ثم أشار إلى أحمد.

— لأنه هو اللي أعطاهوله.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى