قصص و روايات

لا تصرخن

اصطفت عشر نساء على الحائط، وأحاطن بنا، يحملن البوصلات في أيديهن، يقسن المسافة بين أعيننا، وشكل آذاننا، وحجم جماجمنا. ما زلت أتذكر برودة المعدن على صدغي. أتذكر فيرونيك كامو وهي تغمض عينيها وتتمتم بدعاء بينما كان أحد المشرفين يضحك ويشد شعرها ليجبرها على النظر إلى الأمام. كانوا يبحثون عن علامات نقص فينا، أو على العكس، عن نوع من القدرات الخاصة التي لم نكن نفهمها بعد.

كل يوم كان يحمل معه قواعد جديدة. كان ممنوعًا النظر في عيون الحراس، وممنوعًا الكلام في المهجع، وممنوعًا البكاء. وكان البكاء يُعاقب عليه بقسوة بالغة: يوم كامل بدون ماء. تعلمنا البكاء بصمت؛ كانت الدموع تنساب بهدوء على خدودنا، تمتزج بالقذارة. لم تصمد إيرين فولتير، أصغرنا، ليلة واحدة في زنزانتنا الضيقة حيث كنا ننام على ألواح خشبية عىىارية، متلاصقين لتجنب المـ,ـوت تجمدًا. بدأت تنادي أمها. صرختها مزقت الصمت. اقتحم رجلان المكان. جرّاها من ساقيها إلى الممر. سمعنا صراخها، ثم الضـ,ـربات. استلقينا هناك، نحبىس أنفاسنا. ضغطت كاثرين دولوناي على يدي بقوة؛ كانت كفها خشنة، ساخنة كالجمر.

كانت السيطرة مطلقة. حتى أبسط احتياجاتنا كانت خاضعة لجدولهم الزمني. كانت استراتيجية لتجريدنا من إنسانيتنا: عندما تفقد السيطرة حتى على جسدك، تتوقف عن الشعور بإنسانيتك. ومع ذلك، في خضم تلك الليلة، كانت هناك لحظات أنقذتنا من الغرق التام. كانت ناتالي سونييه تُلقي قصائد فرنسية عن ظهر قلب، بصوتٍ يكاد يكون همسًا. في الليل، كان صوتها كخيطٍ رفيع يربطنا بالعالم من قبل. كانت تُتمتم بأبياتٍ تعلمناها في المدرسة، كلماتٍ عن الحب والربيع والحرية. في تلك الزنزانة الجليدية النتنة، كان يظهر ضوءٌ للحظات. كنا نُغمض أعيننا ونتخيل حدائق، أصواتًا بشرية بلا أوامر أو صيحات. كانت لحظات التضامن هذه هي تمردنا.

ثم جاءت الفحوصات. كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام. كنا نُستدعى حسب القائمة. الفحص الأول: الطول، الوزن، الأسنان. الثاني: الأمراض. الثالث: اللياقة البدنية. الرابع: ما أسموه نقاء

العرق. خضعنا لها واحدة تلو الأخرى. مع كل جولة، كان عددنا يتناقص. من لم يستوفِ المعايير نُقل إلى جناح آخر؛ لم نره ثانية. كنا نعلم أن شيئًا لا رجعة فيه يحدث خلف ذلك الجدار. كنا نرى الدخان يتصاعد من الملحق الصغير في الفناء، دخان ذو رائحة حلوة غريبة يلتصق بملابسنا وشعرنا. في أحد الأيام، همست كاثرين وهي ترسم إشارة الصليب: “ليس الخشب هو ما يحىترق يا عزيزتي، إنه أملنا”.

حاولنا ألا نفكر في الأمر، متشبثين بكل ساعة نكسبها. تعلمنا أن نكون سعداء ببساطة لأننا لم نُستدعَ في ذلك اليوم. لكن القائمة استمرت في الظهور، وأصبحت الكلمة الأكثر رعبًا في قاموسنا هي “الفحص الخامس”. لم يكن أحد يعلم ماهيته، لكن أولئك الذين غادروه لم يعودوا قط، ولا حتى إلى الجناح الآخر. كان الحديث عنه يُهمس به وكأنه حكم نفسه.

كان اسمي، ألكسندرا بيلوت، يظهر بشكل متزايد في القوائم. كنت شابة، معافاة، ومؤهلة طبيًا. أثار هذا اهتمامهم. فحص الأطباء يديّ، يحركّون أصابعي لاختبار مرونتها. كانوا يتحدثون فيما بينهم بلغتهم كما لو كنتُ حصانًا أصيلًا. في أحد الأيام، وضع أحدهم، رجل ذو يدين جافتين شبه شـ,ـفافتين، أصابعه الباردة على رقبتي وهمس شيئًا للآخرين. أومأوا برؤوسهم بارتياح. سرى قشعريرة باردة في عمودي

الفقري. أدركت حينها أنني قد اختيرت لشيء مميز، شيء يتجاوز مجرد العمل القسري. عانقتني ناتالي عندما رأت وجهي بعد الفحص. كنا نعلم ذلك: الدائرة تضيق. كل يوم، بدت الجدران أقرب، والهواء أثقل.عشنا في ترقب لنقطة الانهيـ,ـار، اللحظة التي ستسحقنا فيها

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى