ديني

معنى آتوني زبر الحديد في سورة الكهف والدروس المستفادة منها

يُعد بناء السد الذي قام به ذو القرنين لحجز يأجوج ومأجوج من أعظم القصص القرآنية التي تتجلى فيها القدرة الهندسية والحكمة الإدارية العالية. وقد وقف المفسرون طويلاً عند الآية الكريمة: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}. وفي هذا التقرير الموسع، نستعرض أقوال كبار المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة وما تحمله من دلالات لغوية وتاريخية وعلمية.

 

أولاً: معنى “زَبَرَ الْحَدِيدِ” في اللغة والتفسير
بدأت الآية الكريمة بطلب ذي القرنين من القوم معاونته بالمواد الخام لبناء السد، فقال: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}.

المعنى اللغوي: “الزبر” جمع “زبرة”، وهي القطعة الكبيرة والثقيلة من الحديد. وأصل كلمة “الزبر” في لغة العرب هو الاجتماع؛ ومنه قيل “زبرة الأسد” لما اجتمع وتراكب من الشعر على كاهله، وقيل “زبرت الكتاب” أي جمعت حروفه وكتبته.

تفسير المفسرين: اتفق حبر الأمة عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم على أن المراد بـ “زبر الحديد” هو قطع الحديد الضخمة. وقد شبّه بعض العلماء كل قطعة أو لبنة منها بالقنطار الثقيل، حيث كان يأمر بجعل طبقات الحديد متداخلة مع مواد أخرى كالحطب والفحم لبناء سد منيع.

ثانياً: معنى “الصَّدَفَيْنِ” وطريقة البناء الهندسي
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}. وتضم هذه العبارة وصفاً دقيقاً للموقع الهندسي الذي اختاره ذو القرنين لإقامة السد:

معنى الصدفين: هما الجبلان العظيمان المتناوحان (المتقابلان) اللذان بُني السد بينهما. وسمي كل جانب صدفاً لأنه يصارع ويقابل الجانب الآخر. وقد تعددت القراءات القرآنية في ضبط هذه الكلمة (بضم الصاد والدال، أو فتحهما، أو بضم الصاد وسكون الدال)، وكلها تفيد المعنى ذاته وهو الجبلان العظيمان.

خطوات البناء: تظهر الآية أن ذا القرنين لمקن بنائه بطريقة عشوائية، بل بدأ برفع البناء من الأساسات صعوداً، واضعاً قطع الحديد الكبيرة والحطب والفحم بطريقة هندسية محكمة، حتى استوى البناء وبلغ رأس الجبلين طولاً وعرضاً، متساوياً مع قمتيهما.

ثالثاً: إيقاظ النار وإذابة الحديد
بعد اكتمال الهيكل الأساسي للبناء بين الجبلين، انتقل ذو القرنين إلى الخطوة التقنية التالية لزيادة صلابة السد وتماسكه:

{قَالَ انْفُخُوا}: أمر ذو القرنين العمال أن يوقدوا النيران إيقاداً عظيماً، وأن يستخدموا المنافيخ لتشتد النيران وتؤجج حول قطع الحديد والحطب والفحم المصفوفة.

{حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا}: أي حتى صار الحديد كله بسبب شدة الحرارة والتوهج كالنار المشتعلة الحمراء، ففقد صلابته الصلبة ليصبح قابلاً للتداخل والاندماج مع المواد الأخرى.

رابعاً: المراد بـ “الْقِطْرِ” وكيفية إفراغه
في المرحلة الحاسمة والأخيرة من بناء السد، جاء التوجيه الإلهي على لسان ذي القرنين: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}.

معنى القطر: ذهب جمهور المفسرين (كابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم) إلى أن القطر هو النحاس المذاب. وسمي قطراً لأنه إذا أذيب صار يقطر وينساب كما يقطر الماء. وقيل في بعض الأقوال الأخرى إنه الرصاص المذاب أو الحديد المذاب، إلا أن المعنى الأشهر والأصح عند الأجلة هو النحاس المذاب.

الامتزاج العجيب: عندما أُفرغ النحاس المذاب على قطع الحديد المحمى المشتعلة كالنار، تغلغل السائل بين ثنايا زبر الحديد الكبيرة، فدبّ فيها وملأ الفراغات حتى صار الحديد والنحاس شيئاً واحداً متماسكاً، مما منح السد صلابة هائلة وقوة خارقة تمنع أي مرور أو تخريب من قوم يأجوج ومأجوج.

خامساً: وصف السد كما ورد في الآثار والتاريخ
ذكر الإمام ابن كثير وغيره من المؤرخين والمفسرين وصفاً لهذا السد العظيم بناءً على روايات تاريخية وبعثات استكشافية أُرسلت في العصور الإسلامية المبكرة (مثل بعثة الخليفة الواثق) لمعاينة السد:

وصفه بعض من رآه بأنه كالبرد المحبر (ثوب مخطط ذو خطوط سوداء وحمراء أو صفراء)، وذلك بسبب تداخل لون الحديد الأسود أو الداكن مع لون النحاس الأحمر.

ذُكر أن السد تميز بارتفاعه الشاهق وعرضه الهائل، ووجود بوابات وأقفال ضخمة تحرصها الملوك المحيطة بالمنطقة، وهو ما يؤكد عظمة الهندسة التي استخدمها ذو القرنين بفضل الله وحكمته.

العظات والدروس المستفادة من الآية الكريمة
الأخذ بالأسباب المادية: لم يكتف ذو القرنين بالدعاء أو المعجزات، بل استخدم العلم، والهندسة، والتخطيط المحكم، واستغلال الخامات الطبيعية (كالحديد والنحاس) لبناء السد.

العمل الجماعي المنظم: يظهر في الآية دور القائد في توجيه العمال وتوزيع المهام بدقة لتنفيذ مشروع ضخم يحمي الأمة من المخاطر والفساد.

الإتقان في العمل: تلاحم الحديد والنحاس ليصيرا شيئاً واحداً يعكس أهمية الإتقان والجودة العالية في إنجاز الأعمال والمنشآت الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى