ديني

كان مقصرًا فى الصلاة وإلتزم بعد الثلاثين يسأل يقضى ما فات أم يتوب ؟

يُعد موضوع قضاء الصلوات والعبادات التي فاتتك الإنسان قبل توبته والتزامه من المسائل الفقهية المهمة التي تشغل بال الكثير من التائبين الراغبين في إبراء ذممهم أمام الله عز وجل. وقد ورد هذا السؤال إلى دار الإفتاء والعلماء، حيث يروي أحد التائبين أنه بدأ المحافظة على الصلاة في سن الثلاثين بعد فترة تقصير، ويسأل عن حكم ما فاته من صلاة وصيام، وهل تكفي التوبة وحدها أم يجب القضاء؟

 

إجابة الشيخ عبد الحميد الأطرش حول قضاء الصلوات الفائتة
أجاب الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف، مبدياً أن الأمر فيه خلاف بين أهل العلم والفقهاء على النحو التالي:

رأي القضاء: يرى بعض الفقهاء أن الإنسان إذا ترك الصلاة منذ بلوغه وجب عليه قضاء ما فاته طوال تلك السنوات، مستندين في ذلك إلى بعض الأدلة ومفهوم التكليف بعد سن البلوغ، حيث يُرفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، فإذا بلغ صار مكلفاً بجميع الفرائض.

رأي عدم القضاء الإلزامي والإكثار من النوافل: يرى فقهاء آخرون أنه لا يلزم القضاء، خصوصاً إذا كانت الفترة الزمنية طويلة جداً ويصعب حصرها، وفي هذه الحالة يكفي التوبة النصوح والإكثار من الاستغفار والحرص على أداء صلاة النوافل والسنن القبلية والبعدية لجبر ما حصل من نقص.

الحكم الخاص بالصيام مقارنة بالصلاة
أوضح الشيخ عبد الحميد الأطرش أن الحكم في الصيام يختلف عن الصلاة لعدة أسباب تنظيمية وشرعية:

الصيام عبادة تتكرر مرة واحدة فقط في العام، مما يجعل حساب الأيام والشهور الفائتة أمراً سهلاً ومحصوراً.

تتعدد سبل قضاء الصيام ووسائله، ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزم من فاته صيام سنوات معينة أن يقضيها، ولا يشترط في هذا القضاء التتابع، بل يمكن صيامها متفرقة بحسب استطاعة وقدرة المكلف.

رأي الإمام ابن باز والأدلة من الكتاب والسنة
عند سئوال الإمام ابن باز رحمه الله عن حكم ما فات من صلاة وصيام قبل التوبة، استند إلى أدلة قاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تبين سعة رحمة الله وعفوه:

آية التوبة والرحمة: استدل بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة نزلت في التائبين، وهي دالة بوضوح على أن الله يغفر الذنوب جميعها للتائب، وأنه ليس على التائب قضاء صلاة ولا صوم فائت بناءً على الأصل العام للتوبة النصوح.

الأحاديث النبوية الشريفة:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها” (رواه مسلم في صحيحه).

قوله عليه الصلاة والسلام: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”.

الإجماع التاريخي في عهد النبي والصحابة
أكدت الأدلة التاريخية والفقهية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس الذين أسلموا يوم فتح مكة بقضاء ما تركوه من فرائض الإسلام قبل إسلامهم. وكذلك الحال في عهد الصحابة الكرام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عندما رجع كثير من العرب إلى الإسلام بعد فترة ردة أو انقطاع، فلم يأمرهم الصحابة بقضاء الصلوات أو الصيام التي فاتتهم خلال تلك الفترة، وهو ما يعد محلاً للإجماع بين أهل العلم على أن التوبة الجادة تسقط ما قبلها من تكاليف فائتة، والله ولي التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى