
في رحاب القرآن الكريم، تتجلى سور قصيرة في آياتها، لكنها عظيمة في معانيها ومقاصدها، ومن بين هذه السور المباركة تبرز “سورة الزلزلة” كواحدة من السور التي تحمل توجيهات إيمانية عميقة ومواعظ بليغة تربي الضمير الإنساني وتوقظ القلوب الغافلة.
-
ما حكم من يصلي الفرض فقط دون السنة ؟منذ 3 أيام
-
معنى (كهيعص) في سوره مريممنذ أسبوعين
-
الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها والحكمة من ذلكمنذ أسبوعين
وقد أشار فضيلة الداعية الإسلامي الشيخ رمضان عبد الرازق إلى أن هذه السورة الكريمة تُعد من السور الجامعة التي تدل الإنسان على طريق الصلاح والفلاح والخير، مستشهدًا بما ورد في السنة النبوية المطهرة حول مكانتها العظيمة وأثرها البالغ في نفس المؤمن.
الحديث الشريف وقصة السورة الجامعة
فيما رواه الإمام الحاكم فى مستدركه والإمام النسائي فى سننه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: أقرئني (أي علمني شيئاً من القرآن أقرؤه).
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ثلاثاً من ذوات الر» (أي السور المبدوءة بحروف الر، كسورة هود وغيرها). فقال الرجل متعذراً بكبر سنه: كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني، أقرئني يا رسول الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ثلاثاً من ذوات حم» (كورة الدخان وغيرها). فقال الرجل مجدداً: كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني، أقرئني يا رسول الله سورة جامعة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ثلاثاً من المسبحات» (أي المبدوءة بلفظ “سبح” أو “يسبح”، كسورة الصف والجمعة). فأعاد الرجل عذره لعدم حفظه بسهولة لكبرسنه، طالباً سورة واحدة جامعة.
حينها، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «اقرأ سورة إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا». فلما سمعها الرجل وتدبر معناها، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم مشجعاً له ومؤكداً فضله: «أفلح الرويجل» مرتين.
لماذا تُعتبر سورة الزلزلة منهج حياة؟
وأوضح الشيخ رمضان عبد الرازق أن الشخص الذي يقرأ سورة الزلزلة بتمعن، ويفهم مقاصدها، ويعمل بما فيها من توجيهات، ستكون هذه السورة سبباً عظيماً في فلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة؛ لما تحتويه من دروس بليغة تتصل بالآخرة والمحاسبة الذاتية. ومن أبرز هذه الدروس:
1. شهادة الأرض يوم القيامة
تُذكرنا السورة الكريمة بحقيقة البعث والوقوف بين يدي الله عز وجل للمحاسبة. فكل بقعة على وجه الأرض جلست عليها وفعلت فيها خيراً ستشهد لك، وكل مكان عصيت فيه الله أو قمت فيه بشر -ما لم تتب إلى الله وتستغفره- سيشهد عليك.
ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى في سورة الزلزلة: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام: «أتدرون ما تحدث أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال النبي مبيناً: «أن تشهد على كل عبد وأمة بما فعل على ظهرها، تقول: فعلت كذا وكذا، في يوم كذا وكذا». هذا المشهد العظيم يدفع المسلم ليكون مراقباً لنفسه في حركاته وسكناته، حريصاً على عمارة الأرض بالخير والفضيلة.
2. ميزان الذرة: دقة الحساب والجزاء
تختتم السورة الكريمة بآية عظيمة تشكل قاعدة أخلاقية وإيمانية كبرى لكل بشري، وهي قول الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
هذه الآية ترسي مبدأ العدل الإلهي المطلق؛ فلا يضيع عند الله شيء، لا القليل ولا الكثير. فافعل الخير مهما كان صغيراً، واثقاً بأنك سترى أثره الطيب في الدنيا والآخرة، واحذر الشر مهما كان يسيراً. وفي هذا المعنى قيل شعراً:
ازرع جميلاً.. ولو في غير موضعه
فلن يضيع جميلٌ.. أينما زرعا
إن الجميل.. وإن طال الزمان به
فليس يحصده.. إلا الذي زرعا
خاتمة
إن تدبر سور القرآن القصار مثل سورة الزلزلة يمنح المسلم طاقة روحية متجددة، ويقظة دائمية للضمير، وتوجيهاً عملياً نحو استثمار الأوقات والأفعال فيما يرضي الله تعالى، لتكون الأرض لنا شاهدة لا علينا يوم العرض الأكبر.







