عام

بيت امي الاخيرة

وقفت بعيد عنه، حاطة إيدي في جيب العباية وبقيت أبص له ببرود تام، برود أقوى من البرود اللي صدمني بيه زمان:
ـ عايز إيه يا أحمد؟ إيه اللي يفكرك بيا بعد السنين دي كلها؟ مش روحت لحياتك الحقيقية؟
أحمد منهارش علطول، هو حتة حتة قدامي. نزلت دموعه وبدأ صوته ، وقرب خطوة وهو بيترجاني بإيده:

ـ أنا كنت غبي.. كنت أعمى يا أسماء! الوهم عماني، افتكرت إن الماضي هو الجنة ونسيت إن الجنة الحقيقية كانت في إيدي وأنا اللي رفستها برجلي. نادين طلعت .. طلعت مابتفكرش غير في نفسها، مابتحبش غير حالها، لا ولا شالتني ولا عرفت تعمل لي بيت زي اللي إنتي كنتِ عاملاهولي. أنا عشت معاها سنة أسود من القطر، وكل يوم كنت بنام فيه، كنت بشوف وشك وإنتي مستنياني بالأكل وبتتخضي عليا..

:
ـ ودلوقتي افتكرت؟ جاي تقولي الكلام ده بعد ما ؟ بعد ما قولتلي اتعلمي تأكلي من غيري وماتستنينيش؟
أحمد نزل على ركبه في وسط الصالة.. المنظر صدم كبريائه اللي كان دايماً فوق كل حاجة. مسك طرف الكرسي اللي جمبه وهو بيبكي بحرقة وشهقات عالية:

بصيت له وهو على ركبه تحت رجلي. اللحظة دي كنت دايماً بتخيلها في أول شهور ، كنت بتمناها عشان أشفي غليلي، بس لما حصلت.. ملقتش جوايا غير شفقة على إنسان ضيّع نفسه بإيده. مبقتش حاسة بغل، ولا كره، ولا حتى رغبة في .
أخدت نفس طويل قوي، وقولتله بنبرة هادية وثابتة زي الصخر:
ـ قوم يا أحمد.. قوم عشان المنظر ده مايليقش بيك ولا بيّا. أنا مش هقولك إني دعيّت عليك، بس هقولك إن ربنا استجاب لدموعي اللي نزلت في ليلة فرحك. أنا سامحتك.. سامحتك مش عشانك، سامحتك عشان أسماء تستحق تعيش نظيفة من جوه ومن غير غل يشوهها. بس رجوع؟ إنت متخيل إن القصر اللي اتهد ممكن يرجع حتة أرض فضية تاني؟ إنت بقيت بالنسبة لي ماضي.. صفحة وانطوت واتقفل عليها، زي ما قولتلي بالظبط.

أحمد رفع رأسه وبصلي مغرقة وشه، كان بيتمنى نظرة أمل واحدة، بس ملقاش في عيني غير الفراغ التام.
ـ كمل حياتك يا أحمد، وشيل شيلتك لوحدك زي ما أنا شيلت شيلتي لوحدي. ودلوقتي اتفضل.. عشان أبويا زمانه على الباب، وأنا مش حابة يوم الجمعة بتاعنا يتكدر بوجودك.
لفيت ضهري ودخلت المطبخ من غير ما أبص ورايا، وسِمعت صوت خطواته التقيلة وهي بتتحرك لباب ، وصوت الباب وهو بيتقفل وراه.. المرة دي، اتقفل للأبد وهو سّايب وراه راجل ، وست واقفه على رجلها بقوة وعمرها ما هتنحني تاني

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى