
أبويا حط التليفون على ودنه، عمّ الصالة ومفيش غير صوت أنفاسه العالية والغاضبة. ثواني ولقيته أخد نفس طويل، وزعق في التليفون بكل قوته: ـ أيوة يا أحمد!.. بقا إنت تطلع بالندالة دي؟ ده أنا قولت عليك راجل وهتصون بنتي! بقا تكسر بقلبها وتتلوى وتتجوز من وراها وكمان تكلمها بالبرود ده؟!
سكت أبويا لحظة وهو بيسمع رد أحمد، وملامحه كانت بتزداد قسوة وغضب. فجأة أبويا قاطعه بزعيق أعلى:
ـ ما تقوليش نصيب! بنات الناس مش لعبة في إيدك تجرب فيهم النسيان ولما تزهق ترميهم! بنتي حرة، والبيت اللي اتهد ده مش هيدخله ضفرها تاني.. إنت سامع؟! حقوقها كاملة هتوصلها لحد عندها، وإنت مالكش كلام معانا تاني، حسابي معاك هيبقى تقيل يا أحمد!
أبويا قفل السكة في وشّه بعنف، وهو بينهج من كتر العصبية. رمى التليفون على الطربيزة وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً؛ اِتحولت من الغضب لحنان أبوي دافي، قرب مني وقعد جمبي، وأخدني في حضنه وهو بيطبطب على ظهري:
ـ ما تبكيش يا أسماء..، هو ما يسواش دمعه واحظه من عينك دى . ورب العزة لأجيب لك حقك تالت ومتلت، والباب اللي اتقفل وراكِ، هيتفتح لك مكانه ألف باب للأمان. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، راسك هتفضل .
كلام أبويا كان زي المرهم اللي اتحط على بيغلي. اتندت برأسي على كتفه، وأمي قعدت الناحية التانية وهي بتملس على شعري وبتدعيلي. حسيت إن رغم والصدمة، ورغم إن حياتي اللي فاتت اتهدت، إلا إن هنا.. في البيت ده، لسه فيه أرض صلبة أقدر أقف عليها من تاني.
مرت الأيام ورا الأيام، والبيت اللي اتربيت فيه بقا هو حصني الوحيد. في الأول، كنت بحس إن كل ركن في القديمة بيفكرني بأسماء البنت اللي خرجت من هنا بفستانها الأبيض والضحكة مالية وشها، وبيصعب عليا نفسي وأنا شايفة “أسماء” الحالية.. ، اللي بتصحى من النوم على الكلمة اللي اتقالتلها في التليفون.
أحمد حاول يتصل بأبويا كذا مرة، وبعت ناس من قرايبه عشان “يهدوا النفوس” ويقولوا إن الستات بتستحمل، وإن البيت ميتخربش من أول جوازة، لكن أبويا كان زي السد المنيع. كان رده دايماً كلمة واحدة: “بنتي مش تكمّلة عدد، ولا داير سبرتو عشان ينسى فيها قديمه. حقوقها تيجي، والطلاق يتم بالمعروف، غير كدا مفيش كلام.”
بعد أسبوعين من المحاولات والمشاحنات، وبفضل وقفة أبويا وإصراره، أخدت كل حقوقي القانونية والمادية، وتم الطلاق.
يوم ما ورقة طلاقي وصلت في إيدي، فضلت باصة لها كتير. مكانتش مجرد ورقة، دي كانت شهادة لفصل من عمري، وفي نفس الوقت كانت طوق النجاة اللي رجع لي حريتي وكرامتي اللي اتهدروا في مكالمة نص الليل.
وقفت قدام مرايتي، بصيت لملامحي اللي دبلت من الحزن، وأخدت نفس طويل قوي.. نفس حقيقي ومكتمل لأول مرة من يوم الصدمة. مسحت دموعي الأخيرة، وقولت لنفسي: “الحكاية منتهتش يا أسماء.. الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ انهارده، بس المرة دي وأنا البطلة الوحيدة، ومن غير ما أكون مجرد محاولة نسيان في حياة حد.”
عدت الشهور، والوقت اللي كان بيمر عليا في الأول زي السكاكين، بدأ يداوي الجروح واحدة واحدة. نزلت من قوقعتي وقررت إن الحياة مش هتقف عند محطة إنسان ماعرفش قيمتي. رجعت لشغلي، وركزت كل طاقتي ومجهودي فيه، وبقيت بملى يومي بحاجات بحبها.. بالقراءة، بالخروج مع أهلي، وبترتيب أولوياتي من جديد.
اكتشفت في الفترة دي إن الوجع بيقوّي، وإن الكسرة اللي كنت فاكراها النهاية، كانت مجرد نقطة ومن أول السطر عشان أعيش لنفسي وللناس اللي بجد بيحبوني وصاينيني.
وفي يوم، كنت ماشية في مكان عام بخلص مشوار تبع الشغل، ولمحت من بعيد ملامح عارفاها كويس.. كان أحمد.
خطواتي هديت تلقائيًا وأنا ببص عليه. كان واقف مع نادين. بس الغريبة إن المشهد مكانش فيه أي حاجة من “الحب الأسطوري” اللي هدم بيته علشانه. كانوا واقفين بيتخانقوا بصوت عالي، ملامحه كانت متوترة وعينه مليانة زهق وضيق، وهي كانت بتتكلم بنبرة حادة وبتشوح بإيدها، مفيش أي أثر للراحة أو السعادة اللي كان فاكر إنه هيلاقيها معاها.
وقفت في مكاني لثواني، وبصيتالهم ببرود تام. حسيت فجأة غريبة بتملى قلبي، وعرفُت إن ربنا جاب لي حقي من غير ما أعمل حاجة. أحمد كان فاكر إنه لما يرجع للماضي هيعيش اللي فاتته، ونسي إن الماضي لما بنحاول نعيشه بالعافية وعلى حساب أذية ناس تانية. هو ملقاش الحب، هو بس لقى وهم كان هيموت عليه، ولما بقا في إيده، اِكتشف الحقيقة.




