قصص و روايات

دقت الساعة السادسة تماماً

في ذلك المكان الذي تغيب فيه الشمس عن الروح قبل أن تغيب عن الأعين، كان صرير أقفال الزنزانة في الفجر لا يبشر ببداية يوم جديد، بل كان يعزف لحن النهاية المحتومة. حاولت جاهداً أن أسيطر على أنفاسي التي بدأت تتسارع، فظهري المتصلب بفعل البرد والرطوبة، وجلدي الذي أضحى ملتصقاً بعظامي، وجفاف حلقي الذي يمنعني من الكلام؛ كلها كانت الخلاصة القاسية لخمس سنوات من العزلة، كنت أردد خلالها في صمت مطبق كلمة واحدة لا غير: “أنا بريء”.

 

خمس سنوات قضيتها وأنا أراقب شعلة الأمل وهي تخبو في عيني يوماً بعد يوم، حتى أصبحت أضعف من أن تضيء لي عتمة الزنزانة. في الخارج، كان ممر السجن يفوح برائحة الكلور النفاذة الممزوجة برائحة القهوة القديمة ودموع الوداع. وفجأة، قطع هذا الصمت صوت الحارس الشاب وهو يقول دون أن يلتفت إليّ: “حان الوقت”.

تشنجت أعصابي وقبضت على يدي بقوة حتى شعرت أن مفاصلي على وشك الانفجار. توسلت إليه: “قبل أن أفعل أي شيء، دعني أرى ابنتي، أريد فقط التحدث إليها لمرة واحدة”. ضحك الحارس العجوز الذي كان يقف بجانبه بسخرية لاذعة: “المحكوم عليه لا يطلب معروفاً، فالتنفيذ لا ينتظر أحداً”. تابعت بإصرار والدموع تحرق أجفاني: “إنها ابنة الثماني سنوات، لم أرها منذ ثلاث سنوات، هذا كل ما تبقى لي في هذه الحياة”.

دار طلبي بين الأوراق والمكاتبات، وبين هواتف المسؤولين الذين لا يعرفون للرحمة طريقاً، حتى وصل الأمر في النهاية إلى رجل لم يكن يحب الملفات الجاهزة، كان يعرف في قرارة نفسه أن هناك خللاً ما، وأنا كنت أعرف أنه يعرف. وبعد ساعات من الانتظار الذي كاد يقتلني، توقفت شاحنة بيضاء أمام مبنى التنفيذ.

رأيتها من بعيد، صغيرة الحجم، تمسك بيد امرأة غريبة عنها. كان شعرها خفيفاً، وعيناها تبدوان أكبر من عمرها بكثير، وكأن المدينة بكل مآسيها انعكست فيهما. كانت تسير ببطء شديد، وكأنها تحمل سراً أثقل من صدرها الصغير. وفي غرفة الزيارة، جلست مكبل اليدين، وعندما وقعت عيناي عليها، انكسر كل شيء في داخلي. صرخت بصوت مخنوق: “نجمتي!”.

لم تتردد للحظة، اندفعت نحوي وارتمت بين ذراعي بقوة لا تناسب عمرها الرقيق. توقف الزمن، وتوقف الكون، وتلاشت جدران الزنزانة. اقتربت أطراف أصابعها من أذني، وهمست بكلمات كادت توقف قلبي عن النبض. لم يسمع أحد ما قالت، لكن الجميع رأى التغير الذي طرأ عليّ. شحب وجهي، ارتجفت ساقاي، وانهمرت دموعي كالسيل. صاحت براءتي: “أنا بريء! والآن أستطيع إثبات ذلك!”.

تحرك الحراس بتوتر، فتمسكت بي بقوة وقالت بهدوء مخيف: “حان الوقت ليعرفوا الحقيقة”. سألها الحارس بفضول: “أي حقيقة؟”. أجابت بجرأة وهي تشير إلى الممر: “رأيت القاتل الحقيقي.. لم يكن أبي. رأيت الجار، الرجل الذي صدقه الجميع عندما ادعى أنه رآني أغادر الشقة”.

سألوها بصوت مرتبك: “لماذا لم تتكلمي من قبل؟”. خفضت عينيها وقالت: “لأنه هددني بأن أبي سيموت أسرع لو تكلمت.. فصدقته”. في تلك اللحظة، عرفت معنى العجز الحقيقي؛ ليس عجز السجين خلف القضبان، بل عجز الأب الذي لم يستطع حماية طفلته من الكذب والتهديد.

كانت تفصلني عن النهاية أربعون دقيقة فقط، حين صرخ أحدهم: “أوقفوا الإجراءات!”. تحولت الساحة إلى فوضى منظمة؛ هواتف ترن، أوامر متضاربة، ووجوه خائفة. استمعوا لتفاصيلها الدقيقة التي لم تكن في الملف، تفاصيل لا يعرفها إلا من كان هناك في تلك الليلة المشؤومة. وعندما واجهوها بالمتهم، انهار أمام صوتها الصغير واعترف بكل شيء، قائلاً ببرود: “لقد وصلت الحقيقة بعد فوات الأوان”.

خرجت الشمس وأنا خارج السجن. كانت السماء تبدو مختلفة، وكأنها لا تخص هذا العالم الضيق الذي عرفته. أمسكت يد ابنتي، وبدأت رحلة العودة إلى الحياة. لم يكن الطريق سهلاً؛ فقد كان الليل يذكرني بالزنزانة، وكانت الأصوات العالية تعيد لي كوابيس الماضي، لكن ابنتي كانت النور الذي يوجهني.

بعد عام من الحرية، وقفت أحكي قصتي أمام حشد من الطلاب، قلت لهم: “العدالة قد تعمى أحياناً، لكن الاستماع لصوت الحقيقة هو ما ينقذ الأرواح”. رفعت ابنتي يدها من الصف الأول وقالت: “ونحن نرى أيضاً، حتى لو لم يسألنا أحد”.

صمت الجميع في القاعة، وفي تلك الليلة، عدنا إلى بيتنا نمشي تحت سماء مليئة بالنجوم. سألتها: “هل ما زلتِ نجمتي؟”. ابتسمت في هدوء وقالت: “دائماً، لكننا الآن نتألق معاً”. ولأول مرة منذ سنوات، توقف الماضي عن أن يكون أثقل من المستقبل، وأدركت أننا أخيراً بدأنا نعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى