
افتحوا أعينكم يا أهل العالم؛ فالكتابة في زمن المآسي ليست مجرد تدوين للكلمات، بل هي صرخة في وجه الضمير الإنساني الغائب، ومحاولة لتوثيق جروح لا تندمل. حين نكتب عن الفقد، نحن لا نسرد قصصاً للعابرين، بل ننقل أجزاءً من أرواحنا التي تمزقت تحت وطأة واقع يتجاوز قدرة العقل على الاستيعاب.
-
والد 6 أشقاء يكشف كواليس اللحظات الاخيرةمنذ ساعتين
-
عالم البحار الفرنسي جاك كوستو رحمه الله تعالىمنذ يوم واحد
-
حدائق الأهراممنذ يوم واحد
-
السعودية الرياضمنذ يومين
على مدى تسعة أيام مؤلمة، عاشت عائلة فلسطينية فصولاً من العذاب الذي لا يضاهيه عذاب. تسعة أيام قضتها العائلة في رحلة بحث مضنية، متمسكين بخيوط أمل واهية، يرفعون أكف الضراعة إلى السماء، بينما كانت الحقيقة في الجانب الآخر، في شرق دير البلح، تتحول إلى كابوس يفوق الوصف. لقد أُصيب محمد أبو خماش برصاص قتله بدم بارد، ولم يكتفِ القاتل بذلك، بل تُرك محمد في المكان الذي سقط فيه، ومُنعت سيارات الإسعاف بكل قسوة من الوصول إليه لإنقاذه أو حتى لانتشال جسده.
تسعة أيام قضاها محمد وحيداً تحت شمس حارقة لا ترحم، في عزلة تامة عن عالمٍ ادعى التحضر، حتى إن الحيوانات الضالة، في قسوتها الطبيعية، لم تُبقِ من رفاته سوى ذكريات محطمة. لا ينبغي لأي عائلة على وجه الأرض، مهما اختلفت لغاتها أو معتقداتها، أن تضطر إلى توديع أحد أحبائها بهذه الطريقة الوحشية. إن هذا المشهد ليس مجرد تفصيل عابر في نشرات الأخبار، بل هو خرق لكل قوانين الإنسانية والكرامة التي صاغها البشر على مر العصور.
ثم جاءت اللحظة التي تحطم الروح، اللحظة التي تتوقف عندها عقارب الساعة وتتجمد فيها الدماء في العروق: أمّ، بقلبٍ يقطر دماً، تجمع بيديها العاريتين ما تبقى من جسد ابنها، تحمل رفاته المتناثرة كأنها تحمل أغلى ما تملك إلى مستشفى شهداء الأقصى. إن ذراعي الأم خُلقت لتحتضن طفلها حبًا وحناناً، لتغمره بالدفء والأمان، لا لتجمع عظامه المبعثرة بعد أيام من الإهمال والمعاناة تحت وطأة الحصار والقصف.
إن هذه المأساة ليست مجرد وجع يخص عائلة أبو خماش وحدها، بل هي شهادة قاسية ومؤلمة على واقع معاناة المدنيين في بقاع الأرض المنكوبة، حيث تغدو الحياة بلا ثمن، وحيث يُنتهك أبسط الحقوق: الحق في الدفن بكرامة. إن صمت العالم أمام هذه المشاهد هو تواطؤ غير مباشر، وتجاهل للحقوق التي تتغنى بها المنظمات الدولية.
يا أهل العالم، افتحوا أعينكم جيداً، فالكتابة هنا هي النداء الأخير قبل أن يبتلع النسيان حكايات المظلومين. تذكروا أن لكل إنسان كرامة مصونة، وأن كل عائلة تستحق الحماية من هذا البطش الذي لا يفرق بين طفل ومسن، وأن كل أم في هذا العالم تستحق أن تعيش مطمئنة على فلذات كبدها، لا أن تضطر لمواجهة هذا القدر القاسي.
إن دماء محمد ودموع أمه ليست مجرد إحصائيات؛ إنها رسالة أخلاقية موجهة لكل إنسان يمتلك ضميراً حياً. الكتابة عن هذه القصة هي واجب أخلاقي لكي لا تتحول الجرائم إلى أمر اعتيادي في حياتنا اليومية. لن نكف عن الكتابة، ولن نغلق أعيننا، حتى نرى العالم يستيقظ من سباته العميق، ويُعلي كلمة الحق في وجه كل من سلب الناس أمانهم وكرامتهم. إن الكلمة قد تكون أضعف من الرصاص، لكنها تظل الأبقى في كشف الحقيقة التي يسعى الكثيرون لطمسها.








