قصص و روايات

إبن جاري

أبوها شد على إيدها وقال: “يبقى متسمحيش لحد يخليكي تشكي في نفسك، ولا تقبلي إنك تقعدي في الظلام عشان حد قليل أدب. اللي بيعمل إزعاج فوق بيوت الناس هو اللي غلطان، مش إنتِ.”

أنا وقتها معرفتش أقول حاجة من كتر إعجابي بطريقة تفكيره.

وبعدين جوزي قال الجملة اللي عمرها ما هتطلع من دماغي: “أنا مش هروح أضربه وهمسك فيه بعنف… أنا هخليه هو وأمه يتمنوا إنهم ما كذبوش عليكي ولا غلطوا في حق بيتنا.”

بصيتله باستغراب: “هتعمل إيه؟”

قال: “اللي اتقال قدامك كان كلام من غير دليل مادي قدام الناس، وإحنا هنجيب الدليل ونثبت الحق بالعين الطاهرة.”

تاني يوم الصبح، جوزي طلع السطح وشاف المكان بنفسه. بص على السطح بتاع الجيران، وشاف إن المسافة بين البيتين فعلاً بسيطة جداً، وإن الولد يقدر ينط بسهولة من سطحهم لسطحنا ويعمل مشاكل أو إزعاج.

قاللي: “كان ممكن يفكر يعملها تاني، خصوصاً بعد ما افتكر إنك سكتي وقفلتي السطح.”

قولتله: “طب نعمل إيه عشان نخلص من وجع الدماغ ده؟”

قال: “هنركب كاميرات مراقبة صغيرة وسواتر حماية واضحة، وفي نفس الوقت نراقب الموقف عشان نجيبه متلبس لو اتكررت الحركة دي.”

وبالفعل جاب ناس متخصصة، وركبوا نظام حماية كامل وكاميرات مراقبة بتصور أي حركة على السطح، بحيث يكون كل شيء موثق وبالقانون والعين الحمرة لو لزم الأمر.

لكن جوزي كان عامل حساب لحاجة تانية ذكية جداً.

قاللي: “ومتقوليش لحد خالص على الكاميرات ولا الحماية الجديدة اللي عملناها.”

استغربت: “ليه?”

ابتسم وقال: “عشان اللي بيكدب وهو مطمن، بيغلط أكتر ومبيحسبش حساب للصح.”

مر يوم… واتنين… وتلاتة.

والولد فضل يفتكر إن الموضوع عدى وإن مفيش حد شافه، وبدأ يكرر حركاته السخيفة والإزعاج فوق السطح كأنه مفيش حاجة حصلت.

وفي اليوم الرابع، جوزي كان قاعد في البيت من بدري، ومستخبي بعيد عن السطح، وأنا كنت في المطبخ، وبنتي في أوضتها.

فجأة سمعت صوت خبطة عالية فوق ونطت الولد.

قلبي وقع في رجلي، بس جوزي بصلي وحط صباعه على بقه وقال: “متتحركيش خالص.”

طلع السلم بهدوء وبدون أي صوت.

وبعد ثواني سمعنا صوت جوزي وهو بيمسك الولد متلبس بالجريمة: “انزل يا ابني رايح فين؟!”

وبعدها حصل صوت حركة وخبط جامد فوق السطح وهو بيوقفه عند حده.

أنا جريت ورا جوزي، ولما طلعت لقيته واقف ماسك الولد من دراعه بثبات، والولد وشه أصفر وخايف ومصدقش إن حد مسكه.

لكن المفاجأة إن جوزي مكنش لوحده، كان فيه راجلين من كبار عيلة الكفر واقفين على السطح وشاهدين على الواقعة.

اتضح إن جوزي كان كلم عمه الكبير واتنين من كبار العيلة، وقالوهم كل حاجة بالعقل، وطلبوا منهم ييجوا يشوفوا بنفسهم التصرفات الطايشة بتاعة الولد بدل ما الموضوع يتحول لخناقة عائلية بدون برهان.

الولد فضل يبلع ريقه ويقول: “أنا… أنا كنت طالع أجيب حاجة تخصني!”

جوزي رد عليه بصوت حازم: “تطلع تجيب إيه في نص الليل فوق سقف بيتنا وبطريقة الهمج دي؟!”

الولد سكت ومكنش عارف ينطق حرف واحد.

عمه الكبير زعق فيه وقال: “اتكلم يا ابني، بتعمل إيه هنا؟!”

فضل ساكت ومنكمش على نفسه.

جوزي قال قدام الكبار: “أنا مش عايز أضربك، ولا همد إيدي عليك لأني رجل عاقل. أنا عايزك تقول الحقيقة قدام الناس الكبار اللي هنا، هل دي عوايدك ولا لأ؟”

الولد بص في الأرض بكسوف، وبعد شوية قال بصوت واطي جداً: “أنا… أنا كنت بعمل دوشة وبضايقهم وخلاص.”

أول ما قالها، حسيت إن الدنيا سكتت تماماً.

مش عشان اتفاجأت بالنتيجة، لأني كنت عارفة الحقيقة من الأول، لكن عشان الكلمة دي كانت هتثبت قدام الكل إننا كنا صادقين من اللحظة الأولى وإن بنتي كانت بريئة ومالهاش أي ذنب.

جوزي قال: “وبتكررها ليه وأنت عارف إن ده بيتي وحرمة بيوت الناس مش لعبة؟”

الولد سكت تماماً ومقدرش يرفع عينه.

عمه الكبير قال بحزم: “انزل قدامي نشوف أبوك ونعرفه تربيتك دي عاملة إزاي!”

وأخدوه ونزلوا كلهم على بيتهم عشان يخلصوا الموضوع قدام أهله بالجلالة والاحترام.

أمه أول ما شافت الناس الكبار متجمعة وابنهم ماسكينه، خرجت تجري وهي بتقول بانفعال: “في إيه؟! ابني عمل إيه يا ناس؟!”

جوزي وقف قدامها بكل ثبات وقال: “فاكرة الأسبوع اللي فات لما قولتيلي إن بنتي يمكن تكون هي اللي سمحتله يطلع وإني بتهيألي؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى