قصص و روايات

إبن جاري

وشها اتغير تماماً وبان عليها الارتباك.

كمل جوزي بهدوء: “ابنك بنفسه اعترف قدام كبار الكفر إنه كان بيطلع يعمل إزعاج ويتعدى على حرمة بيتنا.”

هي حاولت تنكر بصوت عالي: “مستحيل! ابني ميقولش كده، أنتوا بتضغطوا عليه!”

الولد نفسه كان واقف وراها، ساكت ومنكسف وراسه في الأرض من كتر الفضيحة اللي عملها لنفسه.

جوزي قال: “أنا جاي آخد حق بيتي وبنتي بالكلمة وبالحقيقة قدام الكل، مش بالعافية ولا بالصراخ. لأن بنتي لو كانت غلطانة كنت أول واحد هحاسبها بقسوة، لكن لما تكون بريئة ومحترمة، مش هسمح لأي مخلوق يشكك في أخلاقها ولا يقلل منا.”

أم الولد بدأت تبكي وتعتذر وتقول: “خلاص حقكم عليا.. أنا اتسرعت ومكنتش أعرف.”

أنا بصيت لها وافتكرت كلامها الجارح وهي واقفة على الباب بتقوللي شوفي بنتك كانت قايلة لمين يطلعلها، وحسيت بنيران قلبي هديت شوية.

لكن جوزي بصلي وقال: “سيبيها، خلاص الكلام ملوش لزوم.”

استغربت وقلت: “أسيبها كده بالساهل؟”

قال: “أيوه. إحنا خدنا حقنا بالدليل والحقيقة ظهرت قدام الكل. مش محتاجين نلجأ لإهانة حد، الكبار موجودين وهيتصرفوا معاهم بما يرضي الله.”

وبعدين لف على بنتنا اللي كانت واقفة متابعة بصمت وقال: “إنتِ من النهارده مش هتستخبي من حد، ومش هتعيشي خايفة أبداً. لو حد ضايقك بأي كلمة أو قرب من بيتنا بحركة مش كويسة، تيجي تقوليلي فورًا، وأنا اللي هتصرف بمعرفتي.”

بنتنا كانت تبكي من فرحتها وراحت حضنته وقالت: “بس أنا كنت خايفة يا بابا… خايفة أكون سبب في مشكلة أو حد يفهمني غلط.”

جوزي حضنها بحنان وقال: “إنتِ بنتي وعرضي. أنا ممكن أزعقلك لو عملتي غلط حقيقي، لكن عمري ما أظلمك ولا أجي عليكِ عشان تصرف طايش من حد تاني مش محترم.”

الكلمة دي حسستني بالأمان اللي كنت محرومة منه طول غيابه.

افتكرت قد إيه كنت طول الأسبوع خايفة ومتوتّرة، وقد إيه بنتي كانت بتبصلي وتسألني ليه قفلنا السطح وأنا مش قادرة أقولها الحقيقة عشان متتعبش.

في اليوم ده، جوزي طلع معايا السطح بنفسه.

فكينا الخشب والأشياء القديمة اللي كنت قافلة بيها السطح، وظبطنا المكان كويس، وركبنا السواتر المتاحة اللي بتدخل الهوا والنور بطريقة آمنة تماماً تمنع أي تداخل وتريح البال.

دخلت بنتي أوضتها، وفتحت الشباك، وفضلت واقفة في النور والجو الجميل.

بصتلي وقالت بابتسامة: “كده أحسن بكتير يا ماما، الهوا والنور رجعوا للأوضة.”

ابتسمت وسط دموعي وقلت لها: “أيوه يا حبيبتي… أحسن بكتير، وعمرنا ما هنخبي حاجة صح تاني.”

ومن يومها، الولد مظهرش فوق السطح تاني نهائي، وبقى بيمشي مكسوف ومش بيبص ناحيتنا أصلاً.

وأمه بقت كل ما تشوفني في الشارع تحاول تسلم عليا وتتكلم بذوق عشان تفتح صفحة جديدة، وأنا كنت برد السلام بكل احترام من غير ما أفتح الكلام القديم أو أعمل مشاكل.

لكن أغرب وأجمل حاجة حصلت بعد كل ده، كانت بعد كام يوم لما الجو هدي تماماً.

بنتي دخلت عليا وهي ماسكة ورقة صغيرة، وقالت بابتسامة: “ماما… بابا ساب الورقة دي ليكي على المكتب قبل ما ينزل.”

فتحتها، لقيت جوزي كاتب بخط إيده الجميل: “متقفليش النور ولا تحبسي بنتنا في الضلمة عشان حد قليل الأدب حاول يضايقنا… خليها دايمًا ماشية في النور ورافع راسها، واللي عنده عيب وقلة أدب هو اللي يغمض عينه ويستخبى.”

وقتها ضحكت من قلبي وأنا بعيط من الفرحة والاطمئنان.

وفهمت فعلاً إن جوزي، بدل ما يخلق خناقات وهمية أو يضرب ويهدم البيوت، اختار إنه يعلمنا درس عظيم ميتنسيش أبداً: إن الحق بيبان بالصبر والثقة، وإن الدفاع الحقيقي عن الأولاد مش إننا نخليهم يخافوا ويستخبوا من عيون الناس، بل إننا نخليهم عارفين إن وراهم أب فاهم، واقف جنبهم بكل حكمة، ومش هيسمح لأي حد يشوه صورتهم أو يحملهم ذنب حاجة معملوهاش.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى