قصص و روايات

خليها تبان

برة الأوضة كان فيه اتنين أمناء شرطة بزي مدني.. وهو ميعرفش أي حاجة.
دكتور هشام دخل الأوضة مرة واحدة بس.. ولما عيني جاءت في عينه، شفت الرعب طافح على وشه.
قال بصوت مرعوش: “كل حاجة تمام يا مدام نورهان.”
ابتسمت له: “أتمنى ده يا دكتور.. حياتي وحياة بنتي بين إيديك.”
وشه اتشد واتخشب، واستأذن عشان “يجهز أدواته”.. بس مخرجش من الدور؛ اتقبض عليه أول ما خطى برة باب الممر.
طارق مال عليا وقال بصوت واطي: “بعد النهاردة، هنبدأ حياة جديدة يا حبيبتي.”
بصيت له وقلت: “غريبة أوي إنك بتقول كده..”
استغرب: “ليه؟”
وقبل ما أرد، كبسة طلق شديدة خلتني أتأوه من الوجع.
بعد ساعتين كاملين، سمعت أجمل صوت في حياتي.. صوت صريخ بنتي.
أول ما الممرضة حطت المولوة الصغيرة “فريدة” على صدري، انفجرت في العياط بدون سيطرة.
أنا حية.. وبنتي عايشة.
بعد ليلة كاملة وبسمع فيها تدبير لموتي وتحويل ولادتي، إن أحس بجسمها الصغير الدافي على صدري ده كان كفيل إنه يكسر كل الخوف والوجع اللي حبسته جوايا.

4

خليها تبان
طارق قرب مني، وعينيه فيها دموع تماسيح: “جميلة أوي يا نورهان.. عملناها ووصلنا.”
ومد إيده عشان يلمس البنت.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح على آخره.
دخل أحمد، ومدير المستشفى، ومعاهم رئيس المباحث وضابط شرطة.
طارق اتجمد مكانه: “في إيه؟ إيه ده؟”
الضابط طلع كارنيه الهيئة وقال بصوت حاسم: “استاذ طارق.. ابعد عن المدام فوراً.”
“أنتم بتتكلموا عن إيه؟!”
“ارفع إيدك لفوق وماتتحركش.”
الدم هرب من وشه، واللون الأسود غطى ملامحه.. ولما سمعت صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيده، طارق لف لي بشويش.
ولأول مرة من 7 سنين، شفت حقيقته الواضحة من غير قناع..
مش جوزي.. ده راجل مرعوب لمجرد إن ضحيته لسة بتتفس!

الجزء الثالث والأخير
وقف طارق مكانه متكتف بالحديد، وعينيه رايحة جاية بيني وبين ضباط المباحث وأحمد أخويا. ماسك إيديه المكلبشة ورا ظهره، وشفت لأول مرة نظرة الانكسار والخوف الحقيقي في عينيه، الوش المزيف اللي عاش بيه معايا 7 سنين اتعرى في ثواني.
“نورهان! فاهميهم فيه إيه! الناس دول بيعملوا إيه هنا؟!” طارق زعق بصوت مرعوش وهو بيحاول يقرب خطوة ناحية السرير.
الضابط زقه بصرامة ورجعه لورا: “اتحرك من غير شوشرة يا استاذ طارق.. الكلام ده كله هتقوله في النيابة.”
طارق بص لـ أحمد وقال بغل: “أنت اللي ورا الجنان ده يا أحمد؟ بتستغل إن أختك في أوضة العمليات عشان تلفقلي تهمة؟”
أحمد قرب منه بكل هدوء، وطلع موبايله من جيبه، وشغّل التسجيل على أعلى صوت..
في الأوضة، وسط صوت أجهزة نبض القلب وصريخ فريدة الصغير، اتسمع صوت طارق الواضح وهو بيساوم دكتور هشام: “نصهم بكرة الصبح قبل ما تدخل العمليات.. والباقي بعد المدافن.”
الصوت لما اتذاع في الأوضة عمل سكون يرعب. طارق ركبه اتخبطت في بعضها، وشفت شفايفه بترتعش ومبقاش عارف ينطق كلمة واحدة. كل حججه وطريقته في التمثيل انهارت.
“أستاذ طارق،” الضابط قال وهو بيسحبه من دراعه، “عندنا تسجيلات بصوتك، ومبلغ كاش مقبوض بيه مع دكتور هشام في مكتبه، وسكرين شوتس من محادثاتك مع الأستاذة رنا.. وهي كمان قوة من المباحث نازلة تجيبها من شقة المعادي دلوقتي.”
أول ما اسم رنا اتقال، طارق بصلي بنظرة رجاء ذليلة: “نورهان.. اسمعيني.. والله اتضحك عليا.. الشيطان غواني.. سامحيني عشان خاطر بنتنا!”
ما رديتش عليه ولا بكلمة. كل اللي عملته إني حضنت فريدة أكتر لصدري، وبصيت له بنظرة واحدة فيها كل القرف والاشمئزاز اللي في الدنيا، ولفيت وشي الناحية الثانية.
الساعات اللي بعد كده مرت بسرعة شديدة..
أحمد فضّل معايا في المستشفى، والشرطة أخدت أقوالي الرسمية وأنا على سرير الشفاء، وسلمتهم التسجيل الأصلي مع شهادة الممرضة اللي أنقذت الموقف معايا وبلاغ إدارة المستشفى.
التحقيقات اتفتحت بسرعة الصاروخ. النيابة واجهت طارق ودكتور هشام ورنا بالتهم. دكتور هشام أول ما اتحبس واعترف بكل حاجة عشان يخفف عن نفسه، أقر إن طارق هو اللي عرض عليه الفكرة ومبلغه الكاش وخططوا لإحداث شوك بكتيري ومضاعفات بعد الولادة القيصرية تبان إنها “خطأ طبي أو التهاب حاد”.
ورنا كمان، أول ما المباحث دخلت عليها شقة المعادي وواجهوها بالرسائل، انهارت واعترفت بكل التحويلات اللي طارق كان بيسربها ليها من الحسابات المشتركة.
بعد شهرين كاملين من القضية والجلسات في المحكمة، وصحافة وإعلام بيتكلموا عن القضية اللي هزت التجمع والشيخ زايد، الأمور اتحسمت:

الحكم على طارق ودكتور هشام: السجن المشدد في تهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتآمر.

الحكم على رنا: السجن بتهمة الاشتراك والتستر والتحريض.

الطلاق والقضايا المالية: القاضي حكم ببطلان أي دعوى أو مطالبة مالية لـ طارق، وتم إسقاط حقه في أي وصاية، ورفعت قضايا أحوال شخصية صدر فيها حكماً نهائياً بطلاقي منه وشطب اسمه تماماً من أي حقوق.

النهاردة، بعد مرور سنة كاملة على الليلة دي..
أنا قاعدة في مكتب جدي في الشركة في التجمع.. براجع عقود المشاريع الجديدة بنفسي، وأحمد أخي جمبي بيساعدني ويدعمني زي ما كان بيعمل طول عمره.
وفوق مكتبي، حاطة صورة صغيرة لـ “فريدة” وهي بتضحك بأسنانها اللبنية الأولى.
كل ما بفتكر الليلة دي، ومجرد التفكير إن الخسة والتمثيل كان ممكن ينهوا حياتي وحياة بنتي، بحمد ربنا إن الخوف متملكش مني، وأن التفكير البارد والقوة اللي ورثتها عن عيلتي هما اللي أنقذوني.
طارق كان فاكر إنه بيخطط لنهايتي وعامل حسابه على الثروة والأملاك..
بس نسى إن اللي بيبني على غدر ومكر، نهايته بتكون في القاع.. وأنا وبنتي هنا، عايشين وبنتنفس بنجاح وقوة، وبنكتب حكايتنا بنفسنا من جديد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى