ما المقصود بالحوايا فى قوله تعالى : وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فإن كتاب الله عز وجل هو النور المبين والمنهج القويم الذي هدى الله به البشرية، وقد حفل القرآن الكريم بقصص الأمم السابقة وما أنزل الله عليها من تشريعات وأحكام، حكمةً وتبياناً، ومن ذلك ما ورد في سورة الأنعام من بيان لبعض المحرمات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على اليهود عقوبةً لهم على بغيهم وظلمهم ومخالفتهم لشرائع الله.
تفسير الآية الكريمة ومعنى “الحوايا”
يقول الله تعالى في محكم آياته في سورة الأنعام مبينًا جانباً من تلك التشريعات الجزائية:
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146].
ما هي الحوايا لغةً وتفسيراً؟
وضح علماء التفسير واللغة المعنى المراد بكلمة “الحوايا” في هذه الآية المباركة؛ فأجمعوا على أن الحوايا هي الأمعاء وما يحتويه بطن الحيوان من أحشاء. وقد ذكر المفسرون أن هذا اللفظ مشتق من “الاحتواء”، لأن البطن حوى هذه الأشياء وضمها بداخله. ويدخل في هذا المسمى جميع ما في بطون الأبقار والأغنام من أمعاء وما يشبهها.
حكمة التشديد والتحريم
كان تحريم هذه الأنواع من الشحوم والأحشاء على بني إسرائيل نوعاً من التشديد الإلهي والعقوبة الجزائية لهم؛ نظراً لكثرة عنادهم، وتحريفهم للكلام عن مواضعه، وتماديهم في معصية الله تعالى ومخالفة أنبيائه. فلما بغوا وكذبوا، ضيق الله عليهم بمثل هذه التشريعات الصارمة التي كانت تثقل كاهلهم، وقد رفع الله سبحانه وتعالى هذا التشديد والتضييق عن هذه الأمة المرحومة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، رحمةً به وتيسيراً لشرائعه السمحة التي بنيت على اليسر لا العسر.
وقفة إيمانية: إذا أتممت قراءة هذه الفقرة، شارك بذكر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
مفاتيح سعة الرزق والعطاء في ضوء السنة النبوية
بعد التأمل في هداية القرآن والأحكام التشريعية، يتوجه المسلم بقلبه وعقله نحو طلب الربركات والأرزاق الحلال، معتمداً على الأسباب الشرعية التي شرعها الله تعالى ووضّحها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد أجابت دار الإفتاء المصرية وعلماء الشريعة عن الوسائل والأعمال الصالحة التي يوسع الله بها على عبده في رزقه وعطائه، بعد الأخذ بأسباب السعي الحقيقي في الأرض، ومن أبرز هذه المفاتيح:
1. تقوى الله والخوف منه
إن تقوى الله عز وجل هي الأساس الأعظم لجلب البركات وفتح أبواب الخير؛ فالتقوى تعني امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه سرًا وعلانيةً. وقد وعد الله المتقين بالمخرج من كل ضيق والرزق الواسع من حيث لا يدري الإنسان ولا يحتسب، حيث قال سبحانه وتعالى في سورة الطلاق:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2، 3].
2. صلة الرحم وبركة التواصل الأسري
تعتبر صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب من أعظم العوامل التي تؤدي إلى زيادة الرزق، وبسط البركة في الأعمار والأموال. وقد ثبت عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (رواه البخاري في صحيحه).
وهذا دليل واضح على أن الود الأسري والترابط العائلي ينعكس إيجاباً على حياة الإنسان المادية والمعنوية.
3. كثرة الاستغفار والدعاء الصادق
الاستغفار الحقيقي ليس مجرد كلمات ألسنة، بل هو توبة نصوح وإقبال على الله، وهو مفتاح عظيم من مفاتيح الرزق المادي والمعنوي. قال تعالى حكايةً عن نوح عليه السلام لقومه:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 – 12].
كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية مباركة تكفي العبد وتغنيه عن السؤال، منها ما علمه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه للمكاتب الذي جاءه يشكو عجزه عن سداد دينه، حيث قال له:
«أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قُلْ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» (رواه الترمذي في سننه).
خاتمة وخلاصة
إن التدبر في كتاب الله تعالى يورث القلب خشوعاً وعلماً، والعمل بسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في أبواب الرزق يورث طمأنينة وسعة في العيش. فعلى المسلم أن يجمع بين فهم الأحكام الشرعية والعمل بالأسباب النافعة، من تقوى الله، وصلة الأرحام، ولزوم الاستغفار والدعاء، ليفوز بخيري الدنيا والآخرة.




