قصص و روايات

القبر رفض

كانت الساعة حوالي 3 العصر وناس كتير من أهل البلد متجمعين عند المقابر عشان ندفن أمي، ولما بدأنا ندخلها القبر عشان ندفنها كان القبر بيخرجها تاني. وقبل ما نكمل الحكاية تعالوا نصلي على النبي ونبدأ الحكاية من البداية للنهاية.

 

في قرية صغيرة بصعيد مصر، المنادي بيعلن عن وفاة الست عطيات، واللي بيكون موجود من ولادها ابنها الأكبر رمضان وبنتها سعاد. الغريب في الموضوع أن المغسلة اللي كانت بتغسل الست عطيات أغمي عليها مرتين وهي بتغسلها، وكانوا كل مرة بيفوقوها فيها بتفضل تصرخ وتقول كلام غريب إحنا مش فاهمين منه حاجة. وبعد اكتر من ساعتين بتخلص تغسيل وتجهيز، وبعد ما صلوا عليها طلعوا بيها على المدافن. الناس كلها كانت ماشية ورا الجنازة في صمت غريب، كأن الصوت الوحيد اللي موجود هو صوت الخطوات على التراب ونعيق غراب بعيد. ماحدش فيهم كان متخيل إن اللي جاي هيكسر الصمت ده للأبد.

أول ما وصلوا المقابر وفتحوا القبر ونزلوا الجثمان عشان يحطوه في اللحد، فجأة النعش وقف، لا هو داخل ولا هو طالع. الرجالة زقّت وشدت، وفي لحظة مرعبة النعش اتحرك وطلع لبرا كأن الأرض لفظته. واحدة من الستات صرخت، وراجل وقع على ركبه وهو بيقول الشهادة، وسعاد مسكت في رمضان وهي بتترعش وقالت: “أمي مش راضية تدخل الأرض يا رمضان”.

حاولوا مرة تانية وثالثة، وكل مرة نفس اللي يحصل، القبر يطلع الجثة، لحد ما الشيخ طلب من الناس تبعد وقال بصوت واطي بس حازم: “في حاجة غلط وما ينفعش نكمل كده”. رمضان حس إن قلبه هيطلع من صدره وافتكر حاجات قديمة كان دايمًا يهرب منها؛ أمه كانت طول عمرها غامضة، أوضة مقفولة محدش يدخلها، بخور مولع في نص الليل، كتب ملفوفة في قماش أسود، وستات غريبة بتيجي وتختفي قبل الفجر. لكنه كان يقنع نفسه إن دي خرافات، لحد ما المغسلة وصلت المقابر وهي بتنهج، وأول ما شافت النعش صرخت: “قلتلكم ما تدفنوهاش كده، الحاجة اللي معاها لسه موجودة”.

سعاد سألتها وهي بتبكي: “حاجة إيه؟”. ردت المغسلة وهي بتبص لرمضان: “في كتب معمول فيها أعمال، وطول ما هي معاها الأرض مش هتقبلها”. هنا اتجمد الدم في عروق رمضان وعرف إن الهروب انتهى. الشيخ طلب يعرف الحقيقة كاملة، وبعد صمت طويل رمضان حكى إن أمه من أكتر من عشرين سنة كانت بتتعامل مع دجال معروف في بلد تانية، وإنها كانت بتأذي ناس كتير بسحر التفريق وسحر الربط، وإنها كانت محتفظة بالكتب والتعاويذ في صندوق حديدي مستخبي تحت البلاطة في أوضتها.

الشيخ قال: “مفيش دفن غير لما الصندوق ده يطلع ويتحرق كله”. رجعوا البيت وفتحوا الأوضة لأول مرة بعد سنين، لقوا الصندوق مكانه، فتحوه وطلعوا كتب جلد قديم مكتوب فيها طلاسم ودم ناشف، وريحة خنقة خلت سعاد ترجع من الرعب. الشيخ جمع الكتب وطلب يولعوا فيها بره البيت. أول ما النار مسكت فيها، سمعوا صوت فرقعة غريبة كأن حاجة بتصرخ، والريح هبت فجأة مع إن الجو كان ساكن.

رجعوا المقابر تاني والناس واقفة مستنية بخوف. لما نزلوا الجثمان المرة دي، الأرض استقبلته بسهولة، كأن القبر كان مستني اللحظة دي بالذات. اتردم القبر والكل قال الفاتحة، بس رمضان فضل واقف حاسس إن حمل تقيل اتشال من على صدره. وبعدها بأيام القرية هديت، بس كل ما حد يعدي من جنب قبر الست عطيات يحس بقشعريرة ويفتكر إن في أسرار لو ما اتحرقتش في وقتها، الأرض نفسها ترفض أصحابها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى