قصص و روايات

حماتى مريضه لامانى السيد

2

حماتى مريضه لامانى السيد

حماتي كانت بتبتسم للشاشة بعيون فرحانة وبتقول لبنتها بصوت واطي: “بسم الله ما شاء الله.. ربنا يهنيه يا بنتي، عروسته زي القمر وتستاهل كل قرش اتصرف في الفرح ده، أخوكي كان شايل هم كتير وربنا عوضه.”الكلمات نزلت على قلبي زي المية المغلية، الصد.مة خلت الد.م يتجمد في عروقي، والدموع وقفت في عيني من هول الخيانة والجحود.

كل التعب، كل الإهانات، كل لحظة قرف حسسني بيها وهو بيحاسبني على خدمتي لأمه، كانت مجرد تمثيلية رخيصة عشان يكسر.ني ويوفر فلوسه لهنا وسعادته، ويسيبني أنا الخدامة البديلة اللي بتشيل القرف ببلاش، بينما هو بيعيش شبابه وفرحته في مكان تاني وبعلم ومباركة أمه وإخواته اللي كانوا بيحاسبوني على الهوافضلت واقفة مكاني وراهم زي الصنم، الد.م نشف في عروقي وأنفاسي اتكتمت وأنا شايفة أخته بتقلب في الصور “شوفي يا ماما الدلع.

. ده باعتلي ألبوم كامل من الصبح، مش مخلّي في نفسها حاجة!”الصور كانت بتنزل على قلبي زي السك.اكين، واحدة ورا التانية بتعصر روحي قهر:صورة وهو شايلها على كتفه على البحر، وهي فارده اديها كانها وطايرة في الهوا زي الفراشة..وصورة تانية شقاوتها تق|متل، شايلها على ضهره وهي محاوطة رقبته بإيديها وبتضحك بدلال،ونفس الفديو لنفس الصوره وهو بيجرى وهو شايلها على ضهره وهو باصص للكاميرا كأنه واد مراهق في أول قصة حب.

.وصورة تالتة شايلها بين إيديه بحنان وخوف عليها كأنها ألماظة خايف تتكسر..و صورة وهو قاعد معاها في مطعم شيك، ماسك الشوكة وبياكلها بإيده في بوقها وبيبص في عينيها بعشق وهيام.. نفس الراجل اللي كان بيقرف يمد إيده في لقمة لمس.تها أو ياكل من أكلي بحجة إني بغير لأمه الحفاضات!وقبل ما أستوعب حجم الو.جع، كملت أخته كلامها بضحكة شماتة وهي بتبص لحماتي:”وعلى فكرة يا ماما، هو خلص توضيب شقتك الكبيرة اللي كانت حكمت بتنضفها وبتشتكي من وسعها.

. هدت كل حاجة وعملتها على ذوقها، وجاب فرش مودرن وعفش مستورد يجنن عشان يعيشوا فيها لما يرجعوا من شهر العسل. ده حتى اشترى نصيبي أنا وإخواتي في الورث واداني فلوسي كاش عشان الشقة تبقى ملكه لوحده، قالي مش عايز عروستي تحس بنقص ولا حد يشاركها في مملكتها!”حماتي هزت راسها برضا وفرحة وقالت: “جدع يا ابني.. حقه يعيش ويفرح بعد الشقا، ربنا يهنيهم بشقتهم الجديدة، البنت شكلها بنت ناس وتستاهل كل اللي اتعمل عشانها.

“في اللحظة دي، حسيت كأن السقف وقع فوق دماغي.. الشقة اللي اتهد حيلي في تنضيفها بالساعات وخدمة أهله فيها، اتقبض تمنها واتوضبت لعروسته الجديدة.. والفلوس اللي كان بيبخل بيها عليا وعلى عياله ويقول ‘عندي مشاكل في الشغل ومفيش’، اشترى بيها أنصبة إخواته ودفعها كاش عشان ست الهوانم، وسابني أنا هنا.. الخدامة الغبية اللي بتصرف على أمه من معاشها الميت وبتمسح قرفه ببلاش!انسحبت خطوتين لورا ببطء وحذر، كاتمة أنفاسي وشهقاتي لحد ما دخلت المطبخ ووقفت ورا الباب مسنودة على الحيطة..

حسيت ببرودة بتسري في عروقي كأن الدم اتجمد، وكل كلمة اتقالت وكل صورة شفتها كانت بتمر قدام عيني زي شريط سينما بيحرق في روحي. وفجأة، هجمت عليا ذكريات الأيام والشهور اللي فاتت، مواقف نزلت على قلبي تقطعه حتة حتة من كتر الخبث والاستغفال:افتكرت لما كنت بقع من طولي وضهري مقسوم نصين من كتر الشيل والحط، وأترجى أخته وهي قاعدة حاطة رجل على رجل: “تعالي يا حبيبتي بس ساعديني نعدلها نغيرلها الحفاضة ونقلبها على جنبها عشان متتسلخش، ضهري واجعني مش قادرة أرفعها لوحدي”، فتبصلي بقر.ف وتتراجع لورا وهي بتقول بتكبر: “وييع..

لأ طبعاً مقدرش، أنتي عارفة معدتي بتقلب من الحاجات دي وبستفرغ على طول، أنتي أخدتي على كده وخلاص وبقيتي شاطرة فيها، ربنا يجعله في ميزان حسناتك بقى!”وافتكرت لما كنت أطلب من بنتها التانية تنضفلها مرة واحدة بس عشان ألحق أروح أزور أهلي، فترد حماتي بتمثيل متقن وصوت مريض مكسور: “لأ يا بنتي متخليش حد يلمسني غيرك.. أنا مش برتاح غير معاكي أنتي، إيدك خفيفة وحنينة وبناتي مبيعرفوش يخدموا زيّك، أنتي اللي بنتي بجد وربنا يباركلك في صحتك وعيالك.

“كنت أسمع الكلام ده وقلبي يدوب يحن ليها ، أقول لنفسي “ست كبيرة ومريضة ومكسورة الجناح، أكسر بخاطرها إزاي؟”، وأنسى تعبي ووجعي وأهمل نفسي وولادي عشان أريحها. افتكرت ريحة الكلور والمنظفات اللي بقت لازقة في جلدي ومبتروحش، وكرمشة إيديا وجفافها، وهدومي البسيطة المتبهدلة اللي نسيت معاها طعم إني ست زي باقي الستات.. في الوقت اللي كان ابنها بيشتري شقة أمه كاش، ويصرف دم قلبه على توضيب قصر لعروسته الجديدة، ويدلّعها ويفسّحها ويسيبني أنا الخدامة البديلة اللي بتشيل القرف والهم ببلاش، وهما كلهم متآمرين ورا ضهري ومستغفليني بكل خسة وندالة. مسحت دموعي بإيدي المرتعشة، وكتمت القهرة جوايا بعنف.

. مش وقته خالص إني أواجههم أو أص.رخ، الدموع والرخص ده خلاص م.ات، ومن اللحظة دي لازم أثبت وألعبها بذكاء عشان أرد كرامتي وصحتي اللي ضاعت هدر. قطع حبل أفكاري وذكرياتي صوت “ولاء” الرنان وهي بتنادي عليا من الصالة بكل تعالي وأمر، كأنها بتنادي على شغالة مأجراها باليومية:”إيه يا حكمت، أنتي نمتي في المطبخ ولا إيه؟ الغدا هيجهز إمتى؟ أنا واقعة من الجوع.. واعمليلي معاكي فنجان قهوة مظبوط عشان دماغي مصدعة.

“وقفت مكاني لثواني، أخدت نفس عميق حسيت معاه إن كل ذرة ضعف أو خوف جوايا اتبخرت وحل مكانها برود حديدي. غسلت وشي على الحوض ببطء، نشفته، وخرجت من المطبخ بخطوات هادية وثابتة. مشيت لحد ما وقفت قدامهم في نص الصالة. كانت ولاء قاعدة ممددة رجلها على الكنبة وماسكة الموبايل لسه، وحماتي ساندة ضهرها على المخدات وعينها عليا. بصيت لولاء بصه طويلة أوي.. نظرة متجردة من أي مشاعر، عينيا كانت بتتفحص ملامحها الباردة، وبتتفحص الشاشة اللي في إيدها اللي لسه بتشع بصور أخوها وعروسته.

النظرة طولت لدرجة خلت ولاء ترتبك وتنزل الموبايل بضيق وتقولي:”في إيه بتبصيلي كده ليه؟ ما تنطقي، مسمعتيش قولتلك إيه؟”نقلت نظرتي لحماتي اللي بدأت تبان عليها علامات القلق من سكوتي، ورجعت بصيت لولاء تاني. كانت ملامحي جامدة مفيهاش حتى رمشة عين، وطلعت الكلمات من بين شفايفي بنبرة حادة، هادية، وقاطعة زي حد السيف:

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى