
مسكت طرف الترابيزة بإيديها، وبصيت لها مستني تكمل كلامها. قالت وهي بتتنفس بصعوبة السبب الحقيقي اللي مخلي ولادي مستعجلين ياخدوا البيت قبل ما أموت. فضلت ساكت مستنيها تقول أكتر. لكنها هزت راسها وقالت محتاجه وقت شوية كمان. بعد تلات أسابيع، ولادها رجعوا تاني. المرة دي نوال كانت جايبة معاها كتيب لدار رعاية للمسنين.
حطته جنب طبق الشوربة بتاع أمها.
وقالت لها
ممكن تاخدي شنطة هدوم واحدة، والأوضة اتحجزت خلاص.
خديجة ردت من غير ما ترفع عينيها
أنا مش رايحة.
قالت لها نوال
إنتِ مينفعش تفضلي هنا لوحدك.
خديجة بصتلي وقالت
أنا مش لوحدي.
نوال بصت ناحيتي.
وقالت ببرود
الترتيب ده مؤقت.
كنت واقف عند البوتجاز وبقلب الشوربة.
نوال أشارت ناحيتي من غير حتى ما تبصلي وقالت
وإنت كمان المفروض تبدأ تدور على ست عجوزة تانية تشتغل عندها، لأن أول ما البيت ده يتباع مش هيبقى ليك مكان هنا.
خديجة مسكت الكتيب.
طوته نصين.
وبعدين طوته مرة تانية.
وحطته تحت رجل الترابيزة القصيرة.
الترابيزة بطلت تهتز.
وكانت دي أول مرة أشوفها تبتسم بعد واحدة من زيارات ولادها.
في الوقت ده كانت مديونة لي بأكتر من أربعمية ألف دينار.
ومع ذلك، عمري ما طلبت منهم.
هي كانت عارفة إني محتاج الفلوس.
الجاكت بتاعي كان السوستة بتاعته بايظة، وكتير كنت بوصل عندها وأنا معدتش أكلت من الصبح، وفي مرة ورقة من الكلية وقعت من شنطة ضهري وأنا بدور على فوطة التنضيف.
كانت خديجة هي اللي لقتها.
مسكت الورقة وقرتها.
وكان مكتوب فوقها بخط أحمر تحذير أخير بسداد المصروفات المتأخرة.
بصتلي وقالت
إنت المفروض متجيش تاني.
قلتلها
ليه؟
قالت
أنا مش قادرة أدفعلك.
قلتلها
إنتِ محتاجة حد يساعدك.
ردت
وإنت محتاج فلوس.
طويت الورقة وحطيتها في شنطتي.
وقلت
أنا طول عمري محتاج فلوس.
بصتلي فترة طويلة.
وقالت
ده مش رد.
قلتلها
ده الرد الوحيد اللي عندي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
ممكن تشتغل في مكان تاني يوم الخميس.
قلتلها
ممكن.
قالت
وممكن تكسب أكتر.
قلتلها
ممكن.
بصتلي وقالت
طب ليه كل مرة بترجع؟
بصيت حواليا في المطبخ.
بصيت على حلة الشوربة.
وعلى علب الدوا المترتبة جنب الحوض.
وعلى الكتيب المطوي اللي كان مثبت رجل الترابيزة.
وقلت
عشان محدش غيري بييجي.
لفت خديجة وشها بعيد.
ولما رجعت بصتلي، كانت عينيها مليانة دموع.
وقالت
نفسي ياسر يشوفك.
أنا وقتها افتكرت إنها تقصد إن ابنها كان هيكون ممتن إن حد بيهتم بأمه.
مكنتش أعرف إنها كانت تقصد حاجة تانية خالص.
الشتا جه بدري السنة دي.
درجات السلم اللي قدام البيت بقت زلقة، وشبابيك أوضة المعيشة كانت بتخبط بالليل من شدة الهوا، وخديجة بدأت تضعف أكتر، لكن عقلها فضل حاضر بشكل غريب.
كانت فاكرة مواعيد امتحاناتي باليوم.
وتسألني عن كل وردية بشتغلها في المكتبة.
وكانت مخبية برطمان زبدة فول سوداني مخصوص عشاني، لأنها لاحظت إني كتير بوصل وأنا جعان.
وفي يوم خميس، مدتلي علبة كرتون صغيرة.
فتحتها.
لقيت جواها شال صوف غامق.
قالت
ده كان بتاع جوزي، كان بيلبسه وهو رايح المطبعة، وإنت محتاجه أكتر من الدولاب.
قلتلها
لا، مقدرش آخده.
ضحكت وقالت
ده شال يا آدم، مش دهب العيلة.
أخدته وروحت بيه.
كان ريحته خفيفة من خشب الأرز واللافندر.
وكان أول هدية أخدتها من شخص كبير في حياتي من غير ما يطلب مني مقابلها أي حاجة من سنين.
بعدها بشهر، وصلت البيت ولقيت سعد واقف في المطبخ.
خديجة كانت قاعدة قدامه.
وفي ترابيزة المطبخ كان فيه كشف حساب بنكي مفتوح.
قالت له
إنت سحبت تمانمية ألف دينار تاني.
قال
كانوا لمصاريفك.
قالت
مصاريف إيه؟
قال
ضرايب البيت والصيانة.
ردت
آدم هو اللي صلح الشباك بفلوسه وبقطعة بلاستيك.
سعد لمحني واقف عند باب المطبخ.
وشه اتغير.
وقال
إنت مش المفروض تسمع الكلام ده.
خديجة حطت إيدها فوق كشف الحساب.
وقالت
لا، المفروض يسمعه.
بص لها باستغراب.
قالت
ليه؟
ردت
عشان هو الشخص الوحيد هنا اللي عمره ما أخد مني فلوس.
سعد قام بسرعة لدرجة إن الكرسي احتك بالأرض.
وقال بعصبية
إنتِ بقيتي شكاكة.
ردت بهدوء
لأ، أنا كبرت كفاية عشان أبطل أمثل إني مش شايفة.
خطف كشف الحساب وخرج.
وفي المساء، خديجة طلبت مني أقعد معاها على ترابيزة المطبخ.
حطت إيديها الاتنين حوالين كباية الشاي.
وقالت
أنا محطتش الإعلان على الجروب عشان كنت محتاجة حد ينضف البيت.
فضلت ساكت.
حسيت إنها هتكمل.
لكن في اللحظة دي نور عربية عدى على شباك المطبخ.
وشها شحب.
العربية وقفت قدام البيت.
خديجة قامت بسرعة، لكن رجلها خانتها، ومسكت في الترابيزة.
لحقتها قبل ما تقع.
همستلي
اقفل الباب.
كان مروان.
خبط على الباب تقريبًا خمس دقايق.
وإحنا الاتنين فضلنا ساكتين.
وبعد شوية سمعنا العربية وهي بتبعد.
خديجة رجعت قعدت على الكرسي، وكانت مرهقة بشكل واضح.
قلتلها
كنتِ هتقوليلي إيه؟
بصت ناحية الباب الأزرق.
وقالت
مش الليلة.
قلتلها
إنتِ في خطر؟
قالت
أنا قضيت معظم عمري بخاف من ولادي.
قلتلها
يبقى اتصلي بالشرطة.
قالت
هما معملوش حاجة الشرطة تقدر تقبض عليهم بسببها.
قلتلها
هما بياخدوا فلوسك.
قالت
هما بيسموها مساعدة.
وضغطت بصوابعها على الكوباية.
وقالت
أنا بحاول أصلح كل حاجة، محتاجة وقت شوية كمان.
آخر يوم خميس بدأ بمطر شديد.
المزاريب فاضت، والمية كانت ماشية في الشوارع كأنها خيوط رمادية طويلة.
كان عندي امتحان الصبح اللي بعده، لكن خديجة كانت صوتها ضعيف جدًا لما كلمتني بالليل.
عديت على محل بقالة واشتريت فراخ وجزر ورز وخبز وعلبتين خوخ.
وصلت الساعة أربعة وربع تقريبًا.
لقيت باب البيت مفتوح حوالي تلات صوابع.
ناديت
يا حاجة خديجة؟
محدش رد.
عصايتها كانت مرمية جنب السلم.
وفوطة المطبخ واقعة جنب باب المطبخ.
حطيت أكياس الأكل على الرخامة وطلعت فوق.
لقيتها على سريرها.
البطانية كانت مرفوعة لحد وسطها.
إيديها متشابكة فوق صدرها.
وشعرها الأبيض سايب على المخدة.
في أول لحظة افتكرتها نايمة.
لكن بعد ثانية فهمت إن سكونها مش طبيعي.
لمست كتفها.
وقلت
يا حاجة خديجة؟
جلدها كان ساقع.
الدكتور اللي ساكن قريب وصل بعد ربع ساعة.
فحص النبض، وبص في ساعته، وبعدين سحب البطانية لفوق بهدوء.
نزلت وقعدت على ترابيزة المطبخ.
كتيب دار الرعاية كان لسه متطوي تحت رجل الترابيزة.
الراديو كان شغال على أغنية قديمة كانت بتحب تسمعها.
وبرطمان زبدة الفول السوداني كان جنب طبق فاضي.
حطيت وشي بين إيديا وعيطت.
مش عشان الفلوس اللي كانت مديونة لي بيها.
ولا عشان فقدت الشغل.
عيطت عشان كنت عارف يعني إيه الواحد يمشي من الدنيا وهو حاسس إن الناس اللي المفروض يكونوا أقرب ناس ليه، مش موجودين جنبه.
بعد حوالي نص ساعة، دخلت الست أمينة، جارتها اللي ساكنة في البيت اللي جنبها.
عينيها كانت حمرا.
وكان في إيدها ظرف بني.
قالتلي
خديجة ادتهولي من تلات أسابيع، ووصتني مديهولك بعد ما تموت.
بصيت للظرف.
اسمي كان مكتوب عليه.
آدم.
قبل ما أفتحه، باب البيت اتفتح مرة واحدة.
دخلت نوال الأول.
كانت لابسة إسدال أسود، وفي ودانها حلق بسيط، لكن وشها مكنش فيه أي ملامح حزن.
وراها دخل سعد بالملف الجلد.
ومروان دخل آخر واحد.
ولا واحد فيهم سأل أمه فين.
عين نوال راحت على الظرف اللي في إيدي على طول.
قالت
إيه ده؟
قلتلها
حاجة الحاجة خديجة سابتها لي.
وشها اتشد.
وقالت
أمي ماتت، ومبقاش فيه حاجة ليك تنظفها هنا. خد حاجتك واطلع قبل ما أتصل بالشرطة.
بصيت للممسحة اللي كانت جنب حيطة المطبخ.
وأكياس الأكل اللي اشتريتها كانت لسه جوه كيس ورق مبلول.
رغيف عيش كان وقع على الرخامة.
لميت الجاكت بتاعي.
لكن أمينة وقفت بيني وبين الباب.
وقالت
افتح الظرف الأول.
سعد قرب مني.
وقال
أي حاجة جوه البيت ده ملك للتركة.
أمينة أشارت لاسمي المكتوب على الظرف.
وقالت
ده ملكه هو.
نوال ضحكت.
وقالت
أمي مكنش عندها فلوس تسيبها للمنظف.
فتحت الظرف.
أول حاجة وقعت في إيدي كانت مفتاح نحاس قديم عليه صدأ.
وبعده صورة.
شاب واقف قدام البيت جنب خديجة.
كان شكله في حوالي خمسة وعشرين سنة.
شعره أسود.
وشه نحيف.
وفي إيده اليمين نفس الانحناءة البسيطة في الصباع الصغير اللي عندي.
وعينيه كانت شبه عيني بشكل يخوف.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها اسم واحد.
ياسر.
فردت الورقة.
وكانت رسالة.
يا آدم،
قبل ما تكمل قراءة أي حاجة، لازم تعرف إني آسفة.
أنا مكنتش اخترتك من إعلان الجروب بالصدفة.
تلاتة وأربعين شخص ردوا على الإعلان.
وأنا اخترت
الشاب اللي في صورته عيون كلارا، وإيده فيها نفس العلامة اللي كانت في إيد ابني ياسر.
نفسي اتقطع.
كلارا كانت أمي.
وقفت في مكاني كأني مش قادر أحرك رجلي.
حسيت إن حد اتحرك ورايا.
نوال حاولت تاخد الورقة من إيدي.
سحبتها ناحية صدري.
وقلت
يعني إيه الكلام ده؟
محدش رد.
كملت القراءة.
أنا لقيت حسابك على صفحة الكلية قبل ما أحط الإعلان بست شهور.
عرفتك من أول لحظة.
لكن كان لازم أتأكد قبل ما أجيب الخطر لحد بابك.
أول أسبوع كنت ناوية أدفعلك.
لكن نوال كانت مسيطرة على الكارت بتاعي، ومش بتديني غير فلوس تكفيني أجيب الدوا.
كنت مكسوفة لما رجعت الأسبوع التاني.
وكنت مكسوفة أكتر لما بدأت تجيبلي أكل من فلوسك.
أنا عمري ما كنت عايزة طيبتك تبقى اختبار.
لكن طيبتك كشفتلي حاجة ولادي قضوا واحد وعشرين سنة بيحاولوا يخبّوها.
إنت فضلت تيجي، رغم إنك كنت فاكر إن مفيش حاجة هنا تقدر تاخدها.
مفيش حد يعرف قد إيه الجملة دي هتفضل جوايا.
وش نوال كان بدأ يشحب.
سعد قرب خطوة.
وقال
أمي كانت مشوشة ومش عارفة هي بتقول إيه.
أمينة وقفت قدامه.
وقالت
هي كانت عارفة كويس جدًا.
كملت القراءة.
المفتاح بيفتح الأوضة الزرقا اللي في آخر الطرقة.
افتحها قبل ما ولادي يشيلوا أي حاجة منها.
جواها هتلاقي الحقيقة عن أمك، وأبوك، والسبب اللي خلا اسمك يخوفهم من يوم ما اتولدت.
رفعت عيني عن الورقة.
وبصيت للتلاتة.
مروان نزل عينيه في الأرض.
سعد كان بيبصلي من غير ما يرمش.
نوال هزت راسها.
وقالت
الأوضة دي فيها حاجات خاصة بالعيلة.
الكلام خرج مني قبل ما أفكر.
طب ليه هي اديتني المفتاح؟
اتجهت ناحية الطرقة.
سعد مسك دراعي.
وقال
متفتحش الباب.
إيده كانت قوية.
أمينة صرخت فيه
سيبه.
بصيت لإيده وهي ماسكة دراعي.
وبعدين بصيت في عينه.
وقلت
إنت خايف من اللي جوا؟
ساب دراعي.
وقال بصوت واطي
إنت متعرفش إنت هتدمر إيه.
حطيت المفتاح في القفل.
في الأول مقاومش.
حاولت ألفه.
المعدن احتك جوه القفل بصوت خشن.
ضغطت أكتر.
لحد ما سمعت صوت تكة.
الباب الأزرق اتفتح ببطء، وطلع منه صوت خشب قديم بيصر.
ريحة الأوضة كانت خليط من ورق قديم وخشب أرز ولافندر ناشف.
كان فيه سرير صغير لازق في الحيطة.
وفوقه بلوفر غامق متطبق بعناية.
وفي الركن عجلة عليها كاوتش مفرغ.
قفاز بيسبول قديم.
مجموعة أسطوانات موسيقية.
ووشاح جامعي قديم مكتوب عليه اسم الجامعة وسنة 1998.
الأوضة مكنتش شكل مخزن.
كانت شكل أوضة حد خرج منها امبارح، ولسه متوقع يرجع قبل العشا.
على المكتب كان فيه برواز لصورة نفس الشاب اللي شوفته في الظرف.
ياسر.
أبويا.
جنب الصورة كان فيه صندوق أزرق للملفات.
وعليه بخط خديجة
لآدم، لما يرجع أخيرًا بيته.
ركبي ضعفت.
جوا الصندوق كان فيه عشرات الجوابات مربوطة بخيط.
أول مجموعة كانت مكتوبة بخط أمي.
يا ياسر،
أختك جتلي النهاردة وقالتلي إنك اخترت عيلتك وورثك علينا.
أنا مش مصدقاها.
تعالى قابلني قبل يوم الجمعة.
أنا هاخد الطفل وأروح عند بنت خالي لحد ما تقرر إنت عايز إيه.
الجواب ده عمره ما اتبعت.
المجموعة التانية كانت جواب من ياسر.
يا كلارا،
أنا جيت على شقتك ولقيتها فاضية.
سعد قاللي إنك غيرتي رأيك فيا ومش عايزة الطفل يشوفني.
أنا عارف إن ده مستحيل يكون حقيقي.
قوليلي إنتِ فين.
أنا هسيب الشغل والبيت والفلوس كلها.
ولا حاجة منهم ليها معنى من غيرك.
الجواب ده كمان عمره ما اتبعت.
كان فيه أربعة عشر جواب تاني.
وأنا وأنا بقرأهم، بدأت أفهم الحقيقة.
أمي كانت فاكرة إن أبويا سابها.
وأبويا كان فاكر إن أمي اختفت هي والطفل.
حد كان بيخبي كل محاولة منهم عشان يوصلوا لبعض.
وفي آخر الصندوق لقيت قصاصة جريدة قديمة.
العنوان كان
وفاة شاب في السابعة والعشرين من عمره في حادث على الطريق.
الصورة اللي تحت العنوان كانت صورة ياسر.
أبويا.
قريت الخبر.
كان مكتوب إنه مات بعد ما عربيته خرجت عن الطريق في ليلة عاصفة وهو مسافر ناحية الشمال.
وتحت القصاصة كانت خديجة كاتبة
مات وهو شايل عنوان كلارا الأخير في جيب الجاكت.
حطيت إيدي على بقي.
طول عمري كنت متخيل إن أبويا راجل مشي وسابني.
أمي عمرها ما كانت بتحب تتكلم عنه.
وكل ما كنت أسألها كانت تقوللي
في ناس بتختار الحياة الأسهل.
وبعد ما ماتت، كنت فاكر إنها كانت بتحميني من الحقيقة.
لكن دلوقتي فهمت إنها هي نفسها مكنتش تعرف الحقيقة.
أبويا مكنش اختار حياة أسهل.
هو مات وهو بيدور علينا.
سمعت صوت نوال من ورايا.
قالت
ده ميثبتش حاجة.
لفيت.
التلاتة كانوا واقفين عند باب الأوضة.
بس المرة دي محدش فيهم كان شكله غاضب.
كانوا خايفين.
كان فيه ظرف تاني تحت الجوابات.
كان مكتوب عليه أسماء التلاتة.
نوال قربت.
وقالت
ده بتاعنا.
أمينة كانت أسرع منها.
خدت الظرف وادتهولي.
فتحته.
إلى نوال وسعد ومروان،
أبوكم أمركم تقولوا لياسر إن كلارا سابته.
وأمركم تقولوا لكلارا إن ياسر اختار ورثه وعيلته عليها.
بعد وفاة ياسر، اكتشفتوا الجوابات وخبيتوها لأنكم خفتوا إن ابنه ياخد نصيبه من أملاك العيلة.
أبوكم بدأ الكذبة.
وإنتوا التلاتة حافظتوا عليها.
كنتوا عارفين إن فيه طفل في مكان ما عايش وهو فاكر إن أبوه سابه.
وكنتوا عارفين إن أخوكم مات وهو بيدور على الطفل ده.
مروان قعد على طرف السرير.
وشه انهار.
وقال بصوت واطي
إحنا كنا صغيرين.
نوال لفتت ناحيته بسرعة.
وقالت
اسكت.
بصيت لها.
وقلت
كنتوا صغيرين كام سنة؟
سكتت.
سعد حط إيديه فوق صدره.
وقال
أبونا كان مسيطر على كل حاجة.
بصيتله.
وقلت
أبوكم مات من أربعطاشر سنة.
محدش رد.
قلت
كان عندكم أربعطاشر سنة تقولوا لأمي الحقيقة.
نوال قالت
أمك كانت ماتت خلاص.
بصيتلها.
وقلت
أمي عاشت لحد ما كان عندي تسع سنين.
الصمت اللي نزل على الأوضة كان أتقل من أي خناقة.
أمينة أشارت لصندوق الجوابات.
وقالت
إنتوا كنتوا عارفين الولد فين.
مروان حط إيده على وشه.
وقال
أنا عرفته لما أمي بدأت تدور عليه.
نوال لفتت ناحيته.
وقالت
مروان.
بدأ يعيط.
مش على خديجة.
ولا على ياسر.
كان بيعيط على نفسه.
وقال
أبونا قال إن نصيب العيلة هيتقسم تاني لو ياسر كان عنده ابن، وسعد قال إننا خسرنا كفاية بسببه.
سعد قرب منه.
وقال
إنت وافقت.
رد مروان
كنت عندي تسعتاشر سنة.
سعد قال
كنت عندك أربعة وتلاتين سنة لما حرقت مجموعة الجوابات التانية.
بص مروان له فجأة.
وفي اللحظة دي فهمت.
الكذبة مكنتش عاشت كل السنين دي عشان تلاتة شباب صغيرين كانوا مجبورين ينفذوا كلام أبوهم.
هما اختاروا يجددوها.
سنة ورا سنة.
كل مرة خديجة كانت تدور، كانوا يوقفوها.
كل مرة جواب يظهر، كانوا يخبوه.
كل سنة أنا كنت أكبر وأنا فاكر إن محدش دور عليا، هما كانوا بيختاروا البيت والفلوس من جديد.
وفجأة سمعنا خبط على باب البيت.
أمينة راحت تفتح.
دخل راجل طويل لابس بالطو شتوي كحلي، وفي إيده شنطة مستندات مقفولة.
وراها اتنين شهود.
عرف نفسه وقال
أنا الأستاذ حسن الجبوري، محامي الحاجة خديجة ومسؤول عن تركتها.
نوال جريت ناحيته.
وقالت
أمي كانت تحت تأثير الراجل ده.
وأشارت ناحيتي.
وقالت
دخل بيتها وعزلها عن ولادها وأقنعها تسيبله أملاك.
الأستاذ حسن بص للممسحة.
وبعدين بص لكيس الأكل.
وبعدين بص للتلاجة شبه الفاضية.
وأخيرًا بص للملف الجلد اللي سعد كان جايبه.
وقال
الحاجة خديجة كانت متوقعة الاتهام ده.
حط شنطة المستندات على ترابيزة المطبخ.
وقال
وعشان كده عملت تقييمين طبيين مستقلين قبل ما توقع على أوراقها الأخيرة، والدكاترة أكدوا إنها كانت بكامل وعيها وإدراكها.
سعد أشار للأوضة الزرقا.
وقال
هو مش من العيلة.
المحامي فتح الشنطة.
وقال
وده اللي هنسيبه للأدلة تثبته.
خديجة كانت عملت فحص إثبات نسب قانوني قبل وفاتها بتلات شهور.
وفي وصيتها طلبت إني أعمل أنا كمان الفحص.
لو النتيجة أثبتت إني ابن ياسر، البيت هيتحط في صندوق ائتماني باسمي.
ولو النتيجة أثبتت العكس، البيت هيتباع والفلوس تتبرع لبرنامج بيساعد الطلبة اللي ملهمش حد من عيلتهم يساعدهم.
وفي الحالتين، ولاد خديجة التلاتة مش هياخدوا حاجة من البيت.
نوال خبطت بإيدها على الترابيزة.
وقالت
البيت ده بتاعنا.
المحامي بص لها بهدوء.
وقال
لأ، البيت كان بتاع الست اللي حاولتوا تطلعوها منه وهي عايشة.
سعد بدأ يتكلم عن حقوق العيلة، وإن
خديجة ممكن تكون اتأثرت بكلامي، وإن التوقيعات ممكن تكون اتزورت.
المحامي سابه يخلص.
وبعدين طلع ملف تاني.
جواه كشوف حسابات بنكية بتثبت إن نوال سحبت مبالغ كبيرة من حساب أمها، وفي نفس الوقت كانت سايباها بفلوس بالكاد تكفي أكلها ودواها.
وكان فيه رسايل بينهم بيتكلموا فيها عن سرعة بيع البيت أول ما خديجة تدخل دار الرعاية.
وكان فيه نسخ من أوراق التنازل اللي عمر خديجة ما مضتهاش.
وكان فيه صور أمينة للتلاجة وهي فاضية تقريبًا.
وفيه كمان تسجيل صوتي.
صوت خديجة ملأ المطبخ.
وقالت
لو إنتوا بتسمعوا التسجيل ده، يبقى ولادي اتهموا آدم إنه دخل حياتي عشان الفلوس.
اسألوهم ليه واحد بيدور على فلوس يفضل ينضف بيت ست سبع شهور من غير ما ياخد حتى الأجر البسيط اللي اتفقنا عليه.
محدش اتحرك.
صوتها كمل
هو جابلي عيش لما بنتي كانت مسيطرة على الكارت بتاعي.
وطبخلي لما ولادي كانوا بييجوا ومعاهم ورق بس.
وفضل موجود وهو فاكر إني ست كبيرة فقيرة ووحيدة، ومفيش عندي حاجة أقدر أديهاله.
ولادي فاكرين إن الدم لوحده يخليهم يسموا نفسهم عيلة.
آدم علمني إن العيلة مش بس اللي بينك وبينهم دم.
العيلة هي الشخص اللي يلاحظ إنك قسمت حبة بطاطا بين الغدا والعشا.
التسجيل وقف.
المطبخ رجع ساكت.
قدمت عينة إثبات النسب تاني يوم الصبح.
والنتيجة وصلت بعد اتناشر يوم.
النتيجة أكدت بنسبة أكتر من تسعة وتسعين وتسعة من عشرة في المية إن خديجة كانت جدتي البيولوجية.
نوال وسعد اعترضوا على الوصية.
وقالوا إني أثرت على ست كبيرة ومحتاجة.
مع إني ما أخدتش منها جنيه واحد.
وقالوا إنها كانت مشوشة، رغم إن الدكاترة والمحامي والجارة وكشوف الحسابات كلهم أثبتوا إنها كانت فاهمة كويس جدًا ولادها بيعملوا إيه.
وقالوا إن الجوابات مزورة.
لكن فحص الحبر والتواريخ وخبرة الخطابات وسجلات البريد القديمة أثبتت إنها حقيقية.
القضية مخلصتش في وقت طويل.
البيت دخل في صندوق ائتماني باسمي.
وكان من حقي أعيش فيه وأصلحه وأستخدمه.
لكن مكنش من حقي أبيعه لمدة عشر سنين.
وخديجة كانت حاطة شرط واحد.
الأوضة الكبيرة اللي قدام البيت لازم تتستخدم لمساعدة الطلبة اللي ملهمش حد من عيلتهم يقف جنبهم.
مدخراتها نفسها مكنتش كبيرة.
ومكانتش مخبية ثروة زي ما كنت متخيل.
بعد مصاريف علاجها والمحاماة، فضل مبلغ يكفي إني أخلص مصاريف الكلية وأصلح سقف البيت.
وده كان كل اللي موجود.
لكن البيت نفسه كان جواه حاجة أغلى من الفلوس.
كان جواه حياة عيلتي اللي حاولوا يمسحوها.
دفنا خديجة يوم التلات.
أمينة حضرت.
والدكتور اللي كان بيتابعها حضر.
وكمان ستات من أهل المنطقة.
وعدد من الجيران وقفوا تحت الشماسي السودة.
ولادها التلاتة كانوا واقفين في آخر المكان.
نوال كانت لابسة نفس الحلق.
وسعد كان عينه طول الوقت على المحامي.
ومروان كان بيعيط في هدوء.
ومعرفتش هو كان بيبكي على أمه، ولا على الحياة اللي ساعد في تدميرها.
أنا حملت ورد أبيض وصورة ياسر.
وقبل ما أمشي، حطيت ورقة نقدية من فئة عشرين ألف دينار تحت الورد.
سبع شهور.
كل خميس.
كانت خديجة مديونة لي بعشرين ألف دينار.
وفي النهاية فهمت إن الدين عمره ما كان متعلق بالتنضيف.
هي اديتني جواب أبوي.
وحقيقة أمي.
وجدتي اللي كانت بتدور عليا.
ودليل إني كنت مطلوب ومحبوب قبل حتى ما أخبط على باب بيتها.
بعد ما خلصت الترم، نقلت أعيش في البيت.
صلحت البلكونة.
وغيرت البوتجاز القديم.
وحطيت بطاريات جديدة في الراديو.
وسبت كتيب دار الرعاية مطوي تحت رجل الترابيزة القصيرة.
أوضة ياسر فضلت زي ما هي تقريبًا.
نضفت التراب من على الأسطوانات.
وصلحت الشباك.
وحطيت جوابات أمي جنب جواباته.
أما الشال الصوف الغامق اللي خديجة ادتهولي، ففضل معلق جنب باب البيت.
وكل يوم خميس بالليل، الأوضة الكبيرة بتتملي بطلبة.
في منهم اللي محتاج أكل.
وفي منهم اللي محتاج فلوس يشتري بيها كتب الكلية.
وفي منهم اللي محتاج ترابيزة هادية يذاكر عليها عشان بيعيش في شقة صغيرة مليانة ناس.
وفي منهم اللي بييجي بس لأنه قضى عمره كله بيحاول ميحسش إنه حمل على حد.
بناكل سوا شوربة فراخ على ترابيزة المطبخ.
نفس الترابيزة اللي خديجة كانت في يوم مقسمة عليها حبة بطاطا بين وجبتين.
وسميت المكان كله أوضة الخميس.
ناس كتير بتسألني ليه الخميس.
وبقولهم إن الخميس كان اليوم اللي دخلت فيه البيت ده وأنا فاكر إني هكنس وأمسح مقابل عشرين ألف دينار.
بس كان برضه اليوم اللي ست عجوزة بدأت ترجعني بهدوء لكل حاجة ولادها سرقوها مني.
خديجة عمرها ما دفعتلي أجري عن زيارة واحدة.
لكنها عملت حاجة أكبر بكتير.
رجعتلي أبويا اللي كنت فاكره سابني.
وبعدين…
رجعتني لبيتي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




