
ليلة فرح بنتي الوحيدة، نمت ساعتين زمن وشفت حلم غريب شوفتها نفسها تاكل بس كانت زعلانة ومش قادرة تتكلم، قمت مخضوضة على صوت التليفون اللي بلغني أن بنتي اتوفت، وقتها أصريت أوقف على غسلها بنفسي واللي شوفته خلاني فقدت الوعي من الذهول!!!
ليلة فرح بنتي ريهام كانت الليلة اللي حلمت بيها العمر كله. أنا أم أرملة، من بعد وفاة جوزي ما حيلتيش في الدنيا غيرها، كبرتها وسهرت عليها ودعيت ربنا يقر عيني بيها. ولما جه عريسها مروان، زميلها في شغلها، راجل مرتاح مادياً، ابن ناس وذوق وأخلاق، وفوق ده كله كان يبان عليه بيحبها وهيه كمان. سنة كاملة خطوبة كان يعاملها بما يرضي الله وما يرفضلهاش طلب.
وليلة الفرح… كانت ليلة زي ألف ليلة وليلة، فرح كبير وفخم الكل كان بيحسدنا عليه. ريهام كانت طالعة زي القمر، عروسة ما فيش بأناقتها ولا جمالها، طرحة بيضا وفرحة مغطية على كل حاجة. وصلتها لحد باب شقتها، وسلّمتها للشخص اللي اختارته واطمنت إنها في إيد أمينة.
رجعت بيتي الفاضي. صح البيت كان ساكت ويوجع من الفراغ، بس جوايا فرحة متتوصفش؛ أخيراً أديت أمانتي، وبنتي مرتاحة وفي حضن راجل بتحبه ويحبها. دخلت غيرت هدومي، صليت ركعتين شكر لله، ورميت جسمي على السرير من التعب.
نمت حوالي ساعتين زمن… بس الساعتين دول كانوا أطول من العمر كله.
شفت في نومي كابوس ميتوصفش. شفت بنتي جاية عليّ، لابسة هدوم دبلانة وحاضنة بطنها بأيديها الاتنين من كتر الحزن، وفي إيدها طبق رز ولحمة. مسكت إيدها وقولتلها أنا مش هاكل إلا لما تاكلي معايا الأول!
لقيت الدموع نزلت من عينها ومن غير ولا كلمة فتحت بقها كأنها عايزة تقول لي حاجة بس مش قادرة…
صحيت من الحلم مفزوعة، على صوت التليفون جنب رأسي. بقيت استعيذ بالله وأنا مرعوبة و مسكت الموبايل وخوفت أكتر لما لقيت اسم العريس منور على الشاشة.
رديت وأنا حاسة بإن قلبي بيتخلع من مكانه. وياريته وقف قبل ما اسمع اللي قاله: “الحقيني يا طنط… بنتك تعبانة قوي، إحنا في المستشفى!”
ما حسيتش برجلي وأنا بجري على المستشفى. وأنا مش فاهمة، إزاي؟ دي كانت في حضني من ساعات! وصلت لقيت جوزها مرعوب، وشه أصفر زي الليمونة ودموعه نازلة وفضل يقولي بانهيار “كنا كويسين والله يا طنط، فجأة مسكت صدرها وقالت قلبي واجعني… وماتت بين إيديا!..الدكتور بيقولي توقف مفاجئ في عضلة القلب”.
أنا ولا كنت مستوعبة ولا مصدقة توقف إيه؟ وعضلة إيه؟ كنت بصرخ فيهم زي المجنونة، بتخانق مع الممرضين والدكاترة، بضرب فيهم وبقولهم أنتو كذابين! بنتي عايشة، وسعوا من وشي عايزة أشوفها!
أهل العريس مسكوني بالعافية، طلعوني من المستشفى وهما بيبكوا، وأخدوا جثمان بنتي في عربية إسعاف ورجعنا على البيت. في الوقت ده، كان العريس اتصل بأخوالها وأعمامها. البيت اللي كان امبارح مليان زغاريد وأغاني، بقه في لحظة مليان صراخ وصوان وعياط. أعمامها جهزوا كل حاجة ونادوا للمغسلة…
أنا كنت قاعدة وسطهم مزهولة، مش قادرة أستوعب. الليلة اللي فاتت كانت عروسة بتضحك بالفستان الأبيض… ودلوقت بيشترولها أبيض تاني عشان تتكفن بيه؟ بقيت أبص حواليا، للناس اللي داخلة تعزي ولأخواتي اللي بيعيطوا ويحضنوني وأنا مش قادرة أصدق إن ده عزاء بنتي، إن الوحيدة اللي حيلتي في الدنيا خلاص مشيت وسابتني.
وفي وسط الذهول ده خطر في باللي الحلم اللي شوفته.. بنتي اللي كانت مش قادرة تتكلم، بنتي اللي كانت عايزة تقول لي حاجة!
قمت زي المجنونة، وجريت على أوضة الغسل. الناس حاولت تمسكني ويقولولي ادعيلها يا حبيبتي، بلاش تدخلي، بس أنا زقيتهم بكل القوة اللي فاضلة فيّا. صرخت فيهم أنا لازم أشوفها وأودعها…عايزة أشوف بنتي!
فتحت باب أوضة الغسل ودخلت. كان كل شيء طبيعي؛ المغسلة واقفة جنب السرير، والمية النازلة، وبنتي متغطية بملاية بيضا. قربت منها بخطوات تقيلة، قلبي كان بيتقطع ونفسي بس أخدها في حضني مرة أخيرة، أشم ريحتها وأقولها قومي يا حبيبتي ما تسبنيش لوحدي…
بس أول ما قربت وشلت الغطا من على وشها ورفعت راسها عشان أحضنها… حسيت بغصة في قلبي، منظر الوداع كان أصعب بكتير مما تخيلت، وفي ثانية واحدة، الدنيا اسودت في وشي ووقعت على الأرض فاقدة الوعي من كتر الصدمة!!!!
لما فتحت عيني، كنت في نفس أوضة الغسل، بس المرة دي لقيت أختي الكبيرة قاعدة جنبي، وواحدة من الستات بتحط لي مية على وشي.
أول ما فوقت، صرخت: “ريهام فين؟! بنتي فين؟!”
أختي مسكتني وقالت وهي بتعيط: “اهدي يا حبيبتي… اهدي عشان خاطري.”
زقيتها بعيد عني وصرخت: “أنا شفتها! أنا شفت بنتي! قولولي إيه اللي حصل لها؟!”
المغسلة كانت واقفة بعيد، ووشها متغير، ومش عايزة تبص في عيني.
بصيت لها وقلت: “أنتي شوفتي إيه؟! اتكلمي!”
سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت متردد: “والله يا حاجة أنا عمري ما شفت حاجة زي دي في حياتي، شكلها وهي نايمة كان فيه سر غريب.”
قلبي وقع في رجلي: “يعني إيه؟!”
بصت لأختي وقالت: “خليها تشوف بنتها بنفسها… بس بالله عليكي خلي حد معاها.”
قربت منها وأنا جسمي كله بيرتعش، ولما بصيت ناحية السرير، حسيت إن فيه تفاصيل تانية في الموضوع.
وساعتها دخل مروان.
كان واقف عند الباب، ووشه أصفر، وعينيه حمرا من العياط.
أول ما شافني، قال: “طنط…”
لفيت له وصرخت: “انت!”
اتراجع خطوة.
قلت له: “بنتي ماتت بعد فرحها بساعتين، وفي حاجات غريبة محيطة باللي حصل! إنت عايزني أصدق إن ده طبيعي؟!”
حط إيده على دماغه وقال: “والله ما أعرف حاجة.”
قربت منه ومسكت قميصه: “احكيلي اللي حصل من أول ما خرجنا من الفرح! إنت كنت آخر واحد معاها!”
أهل مروان حاولوا يبعدوني عنه، لكن أنا صرخت: “محدش يلمسه! أنا عايزة أعرف بنتي حصل لها إيه!”
مروان كان بيبكي وبقول: “رجعنا الشقة، ريهام كانت مبسوطة جدًا. قعدنا نتكلم ونضحك، وبعدها قالتلي إنها تعبانة شوية. عملت لها عصير، وبعد دقائق قالت إن صدرها بيوجعها. افتكرتها متوترة من الفرح… لكن فجأة وقعت قدامي.”
سكت لحظة، وبعدين كمل: “اتصلت بالإسعاف وجريت بيها المستشفى، لكن الدكتور قال إنها ماتت.”
بصيت له في عينه: “وانت ما حاولتش تنقذها؟”
“حاولت والله!”
“طب ليه ما اتصلتش بيا قبل كده؟”
“أنا كنت منهار… ما كنتش عارف أقولك إيه.”
فضلت أبص له من غير كلام.
كان في حاجة جوايا بتقول إن القصة ناقصة.
وفي وسط الصدمة، افتكرت حلمي، ورسائلها الغريبة قبل الفرح.
طلبت من أخويا يتصل بالطبيب اللي استقبل ريهام في المستشفى، وبدأت الشكوك تزيد.
وبعد شهور، وأنا بفتح دولابها للمرة الأخيرة، لقيت صورة لينا وإحنا صغيرين.
خدتها في حضني وابتسمت وسط دموعي.
وقلت: “وحشتيني يا بنتي… بس اطمني، حقك مش هيضيع والعدالة هتاخد مجراها.”
ومن يومها، كل ليلة قبل ما أنام، بدعي لها وأقول:
“اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعني بيها في مكان مفيهوش فراق.”
وساعتها بس، بقيت أدعي إن الحقيقة تظهر كاملة، وإن قلب الأم عمره ما بيخيب أبداً في إحساسه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




