
بدأت تعيط وتستعطفني، وتلعب على وتير الحنية:
ـ “يا محمود يا ابني.. أخوك لسه بيبدأ حياته، والبت بتحبه، ولو الشقة دي راحت الجوازة هتفشل.. اعتبرها لله يا ابني، وسيب له الشقة يقف على رجله، وأنت خليك هنا في الأوضة لحد ما ربنا يفرجها.. ده أخوك الصغير!”
خرجت من الأوضة وأنا مش شايف قدامي.. الدموع محبوسة في عيني. دخلت لقيت ناهد قاعدة مستنياني، في عينها فرحة الدنيا وهي بتجهز الشنط عشان ننقل الشقة الجديدة.. ناهد اللي ضحت بسنين عمرها عشان اليوم ده.
أبص لأمي اللي بتبكي وتستحلفني، وأبص لمراتي الأصيلة.. وأخيراً قدرت أخد القرار، بصيت لناهد وقولت لها:
ـ “لمي الشنط دي يا ناهد.. إحنا مش هننقل الشقة الجديدة.”
الكلمة طلعت من بوقي كأنها خنجر اتغرس في قلبي قبل قلبها. ناهد استسمرت مكانها، والشنطة وقعت من إيدها، والضحكة اللي كانت منورة وشها اختفت في ثانية، وحل مكانها ذهول ورعب. بصتلي وهي مش مستوعبة، وقالت بصوت بترتجف:
ـ “أنت بتقول إيه يا محمود؟ بتهزر صح؟ قول إنك بتهزر.. إحنا بقالنا أسبوع مابنامش من الفرحة، العفش هناك، والستاير اتعلقت.. مش هننقل إزاي؟!”
نزلت عيني في الأرض، مكنتش قادر أحط عيني في عينها. وبنبرة مكسورة حكيت لها كل اللي دار بيني وبين أمي.. حكيت لها عن حلفان أمي، وعن طمع أخويا، وعن كلام أمي إن الشقة دي من حق أحمد عشان الفيزا كانت بتاعته من الأول!
ناهد سمعت الكلام.. ما صرختش، ولا عيطت بالطريقة اللي كنت متوقعها. دي قعدت على السرير، وشها بقى باهت، وبصتلي وعينها مليانة عتاب يهد جبال، وقالت:
ـ “الفيزا؟ الفيزا اللي أنت سددت ثمنها من عرقك وسهرك؟ وأنا؟ تعبي؟ شقايا؟ الخمس سنين اللي كنت بصحى فيهم في عز التلج والفجر أحلب البهايم وأشيل قساط اللبن والجبنة عشان موفرش مليم من فلوسك ونعمل الشقة؟ أنا كنت بطحن في صخر عشان أمك تيجي في الآخر تدمر حلمنا على الجاهز عشان منظرتها قدام الناس؟!”
صوتها بدأ يعلى وهي بتعيط بحرقة:
ـ “لو سيبتلهم الشقة دي يا محمود، يبقا أنت بتبيعني وبتبيع عيالك.. الشقة دي مش مجرد حيطان، دي كرامتي وشقا عمري، لو راحت.. أنا مش هقعد لك هنا ثانية واحدة!”
الكلام كان ثقيل، والبيت كله بقى على صفيح ساخن. نزلت تحت لأمي وأخويا أحمد، كنت غضبان لدرجة إني حاسس إن دماغي هتنفجر. لقيت أحمد قاعد حاطط رجل على رجل، وبيشرب شاي بكل برود، وكأن الشقة بقت بتاعته فعلاً!
وقفت قدامه وقولت له بعصبية:
ـ “أنت عاجبك الكلام ده يا أحمد؟ عاجبك إنك تاخد شقة أخوك الكبيرة وشقى عمره عشان تتمنظر بيها؟ أنت معندكش دم ولا كرامة؟!”
أحمد بصلي ببرود ورد بنبرة مستفزة:
ـ “جرى إيه يا حودة؟ ما تكبرش الموضوع! هي أمي مش حلفت؟ وبعدين ما تنساش إن لولا الفيزا بتاعتي، مكنتش هتشوف السعودية ولا كنت هتعمل قرشين أصلاً.. اعتبر الشقة دي ثمن الفيزا، وإحنا إخوات يا جدع، هتقف معايا في جوازتي ولا هتفضحنا قدام نسايبي الجداد؟!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




