
كانت الآيات هذه المرة تقصيري وتكشف خۏفي وتربت في الوقت نفسه على قلبي المتعب. لم أشعر إلا من عيني دون إذن دموعا ساخنة صادقة الكبرياء التي بنيتها طوال سنين.
كنت أبكي كطفل ضائع وجد طريقه أخيرا.
كان بعض المصلين لا يزالون في المسجد فحاولت جاهدا أن أتماسك أن أكتم بكائي لكن النشيج خانني . لم أعد قادرا على التظاهر بالقوة ولا على الاختباء خلف قناع الرجولة الجافة التي عشت بها عمرا كاملا.
قلت في نفسي بصوت داخلي
لست أنت الأعمى يا سالم بل أنا.
أنا الذي كنت أعمى عن النور
أنا الذي كنت أعمى عن الهداية
أنا الذي أضعت الطريق وأنا أظن نفسي أراه.
انتهت الصلاة وخرجنا من المسجد لكن قلبي لم يخرج كما دخل.
كنت إنسانا آخر أو على الأقل بدأت أول خطوة لأكون كذلك.
عدنا إلى المنزل وكانت زوجتي تنتظر بقلق واضح. نظراتها كانت مليئة بالخۏف والتساؤل وكأنها تخشى
أن يكون خروجي مع سالم مجرد نزوة عابرة سرعان ما تنطفئ.
جلست أمامها وحكيت لها كل شيء
عن المسجد عن الصلاة عن سورة الكهف عن بكائي الذي لم أستطع منعه.
وما إن علمت أني صليت مع سالم حتى بالبكاء.
لكنها لم تكن فرح
كنت أدعو الله كل ليلة أن ولم أفقد الأمل يوما.
في تلك الليلة شعرت لأول مرة منذ سنوات أن بيتي هادئ أن الهواء أخف وأن القلوب أقرب.
ومنذ ذلك اليوم
لم تفتني صلاة .
شيئا فشيئا بدأت أبتعد عن رفاق السوء أولئك الذين كنت أظنهم سندا فاكتشفت أنهم كانوا أثقالا وجوه بسيطة قلوب صافية كلماتهم قليلة لكنها صادقة. ذقت معهم طعم الإيمان الحقيقي ذاك الطعم الذي لا يشبه شيئا آخر. القرآن وألفت الذكر وصار لساني يلهج بما كان قلبي .
أصبحت قريبا من أسرتي أسمع أكثر مما أتكلم وأشعر أكثر مما أظهر.
وأشرقت الابتسامة على وجه سالم ابتسامة لم أر مثلها من قبل.
من يراه اليوم يظن أنه يملك الدنيا وما فيها.
ليس لأنه يرى بل لأنه يبصر بقلبه.
أما أنا
فكلما نظرت إليه حمدت الله ألف مرة على نعمته
وطلبت المغفرة ألف مرة على سنين في الغفلة والسخرية
سنين كنت أضحك فيها بينما روحي كانت تبكي في صمت.
واليوم
إن سألني أحدهم من الذي أنقذ من
أقول دون تردد
الأعمى أنقذ البصير
وساقه الله ليكون نوري بعد طول ظلام.




