
عيون القلوب: حكاية الوفاء الذي لا يُقدر بثمن كانت إحدى الفتيات تُعرف بجمالها الهادئ وأخلاقها العالية، ورغم أن عائلتها كانت تعيش في ضائقة مالية، إلا أنها نشأت على العزة والكرامة. شاءت أقدار الله أن تُصاب والدتها بمرض خطير وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وفي أيامها الأخيرة، وضعت الأم يدها الضعيفة على وجه ابنتها وقالت بدموع حزينة: “كنت أحلم أن أراك عروسًا وأرى أطفالك يملأون هذا البيت، لكن مشيئة الله فوق كل شيء. أوصيك يا حبيبتي أن تهتمي بوالدك، وألا ترفضي له طلبًا، وإذا فكرتِ في الزواج يومًا، فاختاري رجلًا يخاف الله، ذو أخلاق عالية ودين، ولا تهتمي لماله أو جاهه، لأن ماله قد ينفد، أما خلقه وكرمه وثقافته فهي التي ستصنع سعادتك الحقيقية في البيت.”
بعد رحيل الأم، بقي الأب وابنته وحيدين يواجهان قسوة الحياة. كان الأب يخرج كل صباح باحثًا عن لقمة العيش بشق الأنفس، بينما يسيطر عليه القلق المستمر على ابنته الوحيدة في البيت. وفي أحد الأيام، جلس الأب مع ابنته وقال بتردد وحرج: “يا بنيتي، لقد كبرتِ ورفضتِ الكثير من العرسان، وأنا أقلق عليك كثيرًا حين أتركك وحدك طوال اليوم. لقد قررت أن أتزوج امرأة تعيننا وتدير شؤون البيت.” فلم ترد الابنة إلا بدموع الموافقة احترامًا لأبيها وطاعة له.
لم يمضِ وقت طويل بعد الزواج حتى بدأت التوترات تظهر في البيت نتيجة ضغوط الزوجة الجديدة، التي وضعت زوجها أمام خيار صعب: “إما أنا أو ابنتك في هذا البيت!” ولمשيغة الضعف والخوف من التشرد، استسلم الأب وقال إنه سيزوجها لأول عريس يتقدم لها. وبالفعل، لم تتأخر الزوجة في إحضار العريس المناسب من وجهة نظرها؛ إنه ابن صاحب الشركة التي يعمل فيها الأب، شاب غني، ذو نفوذ، ومغرور، ولكنه أُعجب بجمال الفتاة وقرر الارتباط بها.
تزوجت الفتاة مككرهة لإرضاء أبيها، لكنها لم تكن تعلم أنها تسير نحو جحيم لا يطاق. لقد دخلت بيت زوجها لا كزوجة مصانة، بل كجارية مهانة. كان زوجها سيء الخلق، لا يخاف ربه، يسرف في اللهو وشرب الخمر، ولا يترك فرصة إلا ويُعيرها بفقرها وبأن والدها مجرد عامل بسيط لديهم. عاشت أيامًا مريرة تغرق في الدموع والصمت، صابرة محتسبة، علّ وعسى أن تتبدل الأجوال.
وفي قمة هذه المأساة، تعرض الزوج لحادث سير مفجع ومروّع أسفر عن إصابته بالعمى التام وفقدان بصره نهائيًا. انقلبت حياته راسًا على عقب، وأصبح عاجزًا تمامًا، وأكد الأطباء أن الحل الوحيد أمامه ليعود مبصرًا هو وجود متبرع يمنحه إحدى عينيه وهو على قيد الحياة خلال ساعات معدودة. تداعى الأقارب والأصدقاء، لكن أحدًا لم يتبرع، وبدا أن الظلام الدامس سيكون مصيره الأبدي.
في تلك اللحظة الحاسمة، وقفت الزوجة التي عانت الأمرين من ظلمه وإهانته، وقالت بصوت ثابت: “سوف أتبرع له بإحدى عيني، ولن أتركه ضريرا بقية حياته.” وبالفعل، أُجريت العملية الجراحية بنجاح باهر. وعندما عاد النور إلى عيني زوجها، غمرته الفرحة العارمة، وأقام احتفالًا كبيرًا دعا إليه أصدقاءه وأقاربه، وشكرهم جميعًا، وعلى رأسهم زوجته التي مدحوا وفاءها وتضحيتها العظيمة، والتقطوا الصور التذكارية لهذه المناسبة السعيدة.
لكن الصفحات الجميلة لم تدم طويلًا. في أحد الأيام الهادئة، وبينما كانت الزوجة تُعد الشاي في المطبخ، كان الزوج جالسًا يتصفح ألبوم صور الاحتفال على هاتفه. نظر إلى صور صديقاته الجميلات اللاتي حضرن الحفل، ثم التفت إلى زوجته التي كانت تقف بعين واحدة ظاهرة والأخرى مغطاة بآثار الجراحة والتعب، وقال بكلمات قاسية تخلو من أي امتنان أو إنسانية: “يا إلهي، كيف سأكمل باقي حياتي مع هذه العوراء؟!”
تسمرت الزوجة في مكانها، وسقط إبريق الشاي من يدها ليتناثر حطامًا على الأرض. لم يكن ما ألمّ بها هو جرح فقدان العين الجسدي، بل الطعنة الغادرة في قلبها من الرجل الذي أهدته نور عينها ليرى به الدنيا. جلست في تلك الليلة وحيدة تذرف دموع القهر، مسترجعة وصية أمها الغالية عن اختيار الرجل الذي يخاف الله، وأدركت حينها أن هناك من يمتلك عينين تبصران، لكنه أعمى القلب والبصيرة تمامًا.
في صباح اليوم التالي، دخلت على زوجها بكل هدوء، ووضعت أمامه أوراق الطلاق التي أعدتها مسبقًا، وقالت بصوت حاسم: “لقد وهبتك عيني بإرادتي الكاملة ولم أندم، لأنني ابتغيت بذلك وجه الله لا جزاءً ولا شكورًا. لكنني لم أتخيل أن أول ما ستراه بعينك الجديدة هو عيوبي لا تضحيتي، وأنك ستجزي المعروف بالجحود.” أصاب الارتباك الزوج وحاول تبرير ما قال، لكنها قطعت عليه الكلام قائلة: “سمعت كل حرف، وكنت أتمنى لو بقيت أعمى البصر، ولم تكن أعمى القلب.”
حزمت أمتعتها وەرجعت إلى بيت أبيها، تاركة خلفها رسالة قصيرة كتبت فيها: “لم أندم على تبرعي، فالمعروف لا يضيع عند الخالق، لكنني أدركت أن العين التي فقدتها أهون بكثير من أن أفقـد كرامتي وعزتي. أسأل الله أن يرزقك بصيرة ترى بها نعمته، كما رزقك البصر.”
عندما قرأ الزوج الرسالة، انهمرت دموعه بغزارة لأول مرة. بدأ يستحضر مواقفها النبيلة، صبرها على أذاه، ووقوفها معه في أشد المحن بينما كان هو جبارًا ظالمًا. أدرك حجم الخسارة الفادحة التي تسبب لنفسه بها. ذهب مرارًا يطلب العفو والصفح من أبيها ومنها، لكنها اشترطت التغيير الحقيقي لا مجرد الكلمات المذللة.
مرت الشهور طويلة وثقيلة على الزوج؛ لقد أجرى مراجعة شاملة لحيته، فابتعد عن رفاق السوء، وترك عاداته الذميمة، والتزم بطاعة الله وتقواه، وتحول إلى شخص مسؤول وخلوق. وعاد بعد فترة طويلة يطرق باب منزلهم، لا ليطلب شيئًا بالفلوس أو الجاه، بل بقلب نادم تائب.
وقف أمامها وقال بصوت خاشع: “لقد منحتِني عينًا أبصر بها جمال الدنيا، لكنكِ أعدتِ لي اليوم قلبي وعقلي اللذين فقدتهما طويلًا. سامحي إن استطعتِ، فقد تعلمت متأخرًا أن الجمال الحقيقي ليس في المظهر الخارجي، بل في نقاء الروح وطهرها.”
تباينت الروايات وتعددت النهايات لهذه القصة المؤثرة في المجتمعات؛ فمن الناس من يروي أنها سامحته وعادت إليه بعد أن رأت صدق توبته وثباته على المبدأ، ومنهم من يروي أنها اختارت استكمال طريقها بكرامة مستقلة بعيدًا عن جرح الماضي. لكن العبرة الأهم التي تجمع عليها القلوب الواعية تظل ثابتة: أن التضحية الحقيقية لا يُمكن قياسها بالمظاهر الزائفة، وأن الوفاء نعمة عظيمة لا يدرك قيمتها إلا الأقوياء في أخلاقهم. فالجمال الحقيقي هو جمال السيرة والسريرة، والبصر نعمة عظيمة، لكن بصيرة القلب والضمير هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة السليمة.




