قصص و روايات

اخت جوزي بقلم زهرة

مدحت هز راسه وهو ساكت تماماً، وأخد تليفونه ودخل البلكونة، وسمعته بيتصل بأماني وبيكلمها بحزم لأول مرة في حياته، وبيهددها إنها لو قربت من بيته أو عياله تاني هيقطع علاقته بيها نهائياً.

من اليوم ده، أماني اختفت تماماً من حياتنا، والبيت رجع له هدوؤه ونضافته، وجوزي بقا يعمل لي ألف حساب ويعرف إن السكوت والهدوء بتوعي مش ضعف.. ده كان ذكاء وحكمة وراء سد من حديد!

وقفت أماني في الزاوية الأخيرة؛ اتفضحت قدام أخوها، وانكشفت حقيقتها قدام أمها، وبقت كل الطرق مقفولة في وشها. الست اللي اتعودت تمشي كلمتها وتتجسس على الكل من غير ما حد يقدر يمسك عليها غلطة، بقت فجأة هي المتهمة والمطرودة من الجنة العائلية بقرار جماعي. والنوعية دي من البشر، لما بتفقد أوراق الضغط كلها، بتبحث عن طريقة لتعديل موقفها أو افتعال مشاكل جديدة.

في يوم جمعة، والبيت كله ملموم في هدوء وراحة، تليفون جوزي مدحت رن بصوت عالي. كان الرقم هو رقم “سعيد”، جوز أماني. مدحت رد باستغراب وهدوء: “أهلاً يا سعيد، خير يا حبيبي؟”

صوت سعيد خرج من التليفون يرن في الصالة، وكان صوت راجل متضايق، بينهث وبيتكلم بقسوة: “خير؟! هو فين الخير يا مدحت وأنتوا فاتحين بيتكوا وكرامات الناس بقت لبانة في بؤ عيالك ومرتك؟! أنتتوا فاكرين نفسكم إيه؟!” مدحت اتعدل في قعدته ووشه اتغير، وبص لي باستغراب وقال: “في إيه يا سعيد؟ وضح كلامك! إيه اللي حصل؟!”

سعيد صرخ: “اللي حصل إن أختك جاية لي بتبكي، وتقولي إن مراتك قعدت العيال وخلتهم يسجلوا لها صوت وفيديو وهي بتهزر معاهم، وبتهددها بالفيديو ده إنها هتبعتهولي وتخرب بيتها وتتبلى عليها! أنتتوا فاكرين إني هسكت ولا إيه؟! أنا جاي لك الشقة حالاً يا مدحت، ومش هخرج منها إلا لما أخد حق مراتي وأشوف التسجيل ده بنفسي، وإما اعتذار رسمي من مراتك قدام الكل يا إما كل واحد فينا من طريق!”

أماني لعبت آخر ورقة! راحت لجوزها وقالت له نص الحقيقة وصاغتها بأسلوب خبيث جداً: اعترفت له إن في تسجيل فيديو بتهددها بيه مرات أخوها، بس أقنعته إن التسجيل ده مش حقيقي وإن منال بتستغل عيالها عشان تتهمها هي وجوزها بأشياء غير صحيحة وتخرب بيتهم! رميت الكورة في ملعب الراجل عشان يجي هو يواجهني، وياخد هو التسجيل بيده ويمسحه، ويجبرني أعتذر لها!

مدحت قفل التليفون ووشه أصفر، وبص لي وهو بيترعش: “منال.. سعيد جاي وفي قمة غضبه، وأماني حكت له إنك مهدداها بالفيديو.. هنعمل إيه؟ الراجل جاي مولع!” قمت وقفت بثبات وهدوء تام، وحطيت إيدي على كتف مدحت وقُلت له بصوت دافي وثابت زي الجبل: “يا مدحت، اللي معاه الحق ما بيترعش. سعيد راجل ويهمه كرامته، وأماني استغلت ده عشان تضغط علينا. سيبه يجي.. الباب مفتوح، والحقيقة هي اللي هتتكلم.”

بعد ربع ساعة بالضبط، جرس الباب رن بضربات متتالية وقوية. فتح مدحت الباب، ودخل سعيد ووراه أماني مستخبية في ظهره، ووشها باين فيه الخوف الممزوج بنظرة التحدي.. كانت فاكرة إن الموقف كبر لدرجة إني هترعب وأعتذر عشان أنهي الموضوع قبل ما يتطور.

سعيد دخل الصالة، وبص لي بغضب وقال: “أهلاً يا مدحت.. أهلاً يا مدحت هانم. أنا جاي أسمع التسجيل اللي بتهددي بيه مراتي، وجاي أشوف إيه اللي بتقوليه عليا وعلى بيتي، ولا فاكرة إن أماني ملهاش ظهر؟!”

مدحت كان لسه هيتكلم، بس أنا رفعت إيدي بهدوء وشاورت له يسكت. قعدت على الكنبة وأشرت لسعيد: “اتفضل اقعد يا أستاذ سعيد.. أنت راجل الفضل والأصول، ومن حقك تدافع عن بيتك وكرامة مرتك.. بس الراجل العاقل بيسمع بأذنيه وبيشوف بعينيه قبل ما يحكم، صح ولا أنا غلطانة؟”

سعيد قعد وهو مشدود ومكشر: “أنا سامع وشايف.. هاتي التسجيل!” أماني اتوترت فجأة وقالت بصوت مرعوب: “لا يا سعيد! ما تسمعش حاجة! دول مفبركين الكلام ومحفظين العيال يتبلوا عليا!”

بصيت لأماني بابتسامة سخرية واثقة، وقُلت لها: “مفبركين بالصوت والصورة يا أماني؟ الشوكولاتة واللعبة اللي في إيديكي في الفيديو مفبركين برضه؟” طلعت التليفون، وتأكدت إن الشاشة واضحة، وحطيت التليفون على الطاولة قدام سعيد مباشرة، وضغطت على زر التشغيل.

الصالة كلها سادتها حالة صمت رهيبة.. صوت التسجيل خرج نقي وواضح: صوت أماني وهي بتوشوش العيال: “اللي هيعرفلي ماما وبابا بيعملوا إيه لما يقعدوا لوحدهم، هديله الشوكولاتة دي كلها لوحده!” صوت ياسين وهو بيكلمها بكل ثبات: “ماما وبابا قالوا إن اللي بيسأل عن أسرار البيوت المقفولة بيبقى عنده نقص وبيحب يتجسس…” صوت مريم التوأم وهي بتقول ببرأة: “هو أنتي يا عمتو لما بتدخلي أوضتك بتمسكي التليفون وتتكلمي مع مين بالساعات لحد الفجر؟” وصوت أماني وهي بتصرخ لما عرفت إن العيال بيسجلوا لها!

سعيد كان متبسم للشاشة ومسمر في مكانه. ملامح الغضب اللي دخل بيها بدأت تتلاشى، ويحل محلها الذهول والصدمة، وبعدين الكسوف والخزي الشديد! لون وشه اتغير، وإيده اللي كانت ماسكة الكنبة بدأت ترتجف من كثرة الصدمة. سمع مراته بنفسها وهي بتدفع رشوة لأطفال صغار عشان يتجسسوا على بيت أخوها! وسمع رد العيال اللي كشف إن مراته هي اللي بتدخل في شؤون البيوت.

الفيديو خلص.. وساد صمت قاتل في الصالة، محدش كان قادر يتنفس. أماني كانت واقفة ورا الكنبة، ووشها أصفر، وجسمها كله بيرتعش من الرعب. سعيد نزل راسه في الأرض لفترة طويلة، مش قادر يرفع عينيه في عين مدحت ولا في عينيا. وبعد دقيقة صمت، رفع راسه وبص لي بنظرة مليانة اعتذار وكسرة، وقال بصوت خافت: “أنا.. أنا آسف يا أم ياسين. حقك عليا.. وحقك على راسي من فوق.”

وقَف سعيد من طوله، وبص لمدحت وقاله بصوت مكسور: “سامحني يا مدحت.. أنا اتخدعت وجيت وأنا مش فاهم حاجة. مراتي كانت بتستغلني عشان تغطي على أفعالها.” وبعدين التفت لأماني، ومسكها من إيدها بقوة وقال بصوت حازم: “قدامي على الشقة.. حسابك معايا هناك، والنهارده مش هيعدي على خير!” أماني صرخت ودموعها نزلت من الخوف، وحاولت تتكلم أو تتباكى، بس سعيد شدها من إيدها وخرج بيها من باب الشقة، وقفل الباب وراه بهدوء.

وقفت أنا ومدحت في الصالة. مدحت قرب مني، وأخد نفس عميق، وحط إيده على كتفي وبص لي بعيون مليانة تقدير واحترام واعتذار غير مشروط، وقال: “أنا أسف يا منال.. أسف إني في يوم شكيت فيكي، أو قللت من اللي عملتيه. أنتي مش بس حميتي عقول ولادنا وكرامة بيتنا.. أنتي علمتينا كلنا درس في العقل والذكاء والحكمة.”

ابتسمت له بهدوء، وقُلت له: “البيت ده يا مدحت مقفول بأصوله وحرمته، وطول ما أنا فيه، محدش هيقدر يخترق أسرارنا ولا يخرب تربية ولادنا.”

ومن اليوم ده، انتهت قصة أماني للأبد من حياتنا. سعيد فهمها حدودها كويس، وأمها حماتي قطعت معاها الكلام لفترة طويلة لحد ما تعدلت، وبقت أماني لما تشوفني في أي مكان بتسلم عليا من بعيد لبعيد بمنتهى الخوف والاحترام.

أما ولادي، فياسين ومريم ونور كبروا وهم عارفين إن البيت سور حمايته الحكمة والعقل، وإن الخصوصية خط أحمر. وقدرت بحكمتي وهدوئي أوقف أخت جوزي عند حدها، وأحافظ على بيتي وجوزي وولادي، من غير ما أخسر كرامتي ولا أرفع صوتي برة حدود الأدب.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى