قصص و روايات

جوزي القاسي

لحد ما تلمي الشقة كلها، مفيش لقمة هتدخل بُقك! قالها جوزي وهو خطف طبق الشوربة من قدامي وكبّه في الحوض، وأمه واقفة بتتفرج ومبتسمة بشماتة. كنت راجعة من شيفت 12 ساعة في المستشفى، وما اتكلمتش… طلعت موبايلي واتصلت بمكالمة واحدة. بعد ربع ساعة بس، الاتنين عرفوا الشقة دي ملك مين بجد.
الجزء الأول

لحد ما تنظفي الزريبة دي كلها، انسي إنك تاكلي أي حاجة.
قالها كريم وهو شد طبق الشوربة من قدام سارة وكبّه في حوض المطبخ قدام عينيها.
سارة كانت لسه داخلة من شيفت 12 ساعة في مستشفى حكومي بالقاهرة. اليوم كله كان جري بين حالات طوارئ، وإنعاش مريض، واستقبال حالات جديدة، وأهالي مرضى كل شوية يسألوها ويضغطوا عليها.
كانت رجليها خلاص مش شايلينها، وضهرها بيوجعها، وكل اللي نفسها فيه طبق شوربة سخن وتنام كام ساعة.
أول ما فتحت باب الشقة… وقفت مكانها.
الصالون مقلوب رأسًا على عقب.
الكنبة متزحلقة في نص الطرقة، والسجادة ملفوفة، والكتب مرمية في كومات على الأرض، وفي خط دهان رمادي مرسوم على الحيطة.
الترابيزة مليانة مجات شاي، وبواقي بسكويت، وعلب قديمة، وجردل فيه مية ۏسخة.
وفي نص المنظر ده كله…
كانت حماتها أم كريم قاعدة على الكنبة، مبتسمة بكل رضا.
قالت وهي بتبص لسارة
أخيرًا جيتي… أنا وكريم كنا بنظبط طاقة الشقة. المكان كان كله طاقة سلبية، وعشان كده ابني مش عارف يبدع.
كريم، عنده سبعة وتلاتين سنة، بقاله أكتر من سنتين بيقول إنه بيمر بأزمة إبداع.
زمان كان بيرسم لوحات ويبيع منها كل فترة.
دلوقتي؟
بينام لحد الضهر، ويقضي يومه على البلايستيشن، ومستني سارة تدفع قسط الشقة، وفواتير الكهرباء والغاز، والأكل، وحتى خروجاته مع صحابه.
الشقة…
كانت شقة سارة.
اشترتها قبل الجواز بسنين، ولسه هي اللي بتدفع أقساطها لوحدها.
ومع ذلك، حماتها كانت داخلة خارجة براحتها، تفتح الدولاب، وتنقل الحاجات من مكانها، وتتصرف كأن البيت بيت ابنها.
قالت سارة وهي بتحط شنطتها
أنا نضفت الشقة يوم الأحد.
ردت أم كريم وهي نافخة
نضفتي إيه؟ ده التراب كان متلتل تحت الكنبة! الست المتجوزة لازم تهتم ببيتها وجوزها.
سارة أخدت نفس طويل.
من شهر وهي بتاخد شيفتات زيادة عشان تجمع فلوس عملية قلب لوالدتها، والعملية تكلفتها كبيرة جدًا.
بطلت تشتري هدوم، ومنعت نفسها من أي فسحة أو رفاهية.
وكريم…
كان عارف كل ده.
لكن عمره ما قال حتى
أنا أنزل أشتغل وأساعدك.
قالت بهدوء
هسخن الشوربة وآكل، وبعدها نتكلم.
ردت حماتها بسرعة
لأ… الأول تنظفي الشقة كلها. إحنا عملنا اللي علينا.
سارة سخنت طبق الشوربة اللي كانت عاملاه من يومين.
أول ما قعدت على السفرة…
كريم خطڤ الطبق من قدامها، ورماه كله في الحوض.
الشوربة نزلت مع الميه…
وأمه كانت واقفة تتفرج، وعلى وشها ابتسامة انتصار.
سكتت سارة ثواني…
وبعدين قالت بصوت هادي بشكل خلى كريم نفسه اتوتر
الشقة دي شقتي… والأكل ده أنا اللي جايباه… وكل جنيه اتصرف هنا طالع من تعبي.
رد كريم بعصبية
وأنا جوزك.
بصتله في عينه وقالت
إنت

مقالات ذات صلة

اجل بالغ… وأنا اللي بصرف عليك بقالي سنتين.
قامت أم كريم خبطت بإيدها على الترابيزة وقالت
إوعي تكلمي ابني بالطريقة دي! المفروض تشكري ربنا إنه مستحملك بالشكل اللي بقيتي عليه من كتر الشغل.
سارة مردتش.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب بالمفتاح.
فتحت الدولاب…
وطلعت ملف.
جواه عقد ملكية الشقة، وعقد التمويل، وكل إيصالات الأقساط اللي كانت بتدفعها من حسابها الشخصي.
بعدها…
مسكت موبايلها.
برا الأوضة، أم كريم كانت بتهمس لابنها.
وفجأة…
بدأ كريم يخبط على الباب .
افتحي حالًا… والله لأكسر الباب!
سارة بصت للموبايل…
وداست على رقم كانت محتفظة بيه من سنين، لكنها عمرها ما تخيلت إنها هتحتاج تستخدمه.
وبمجرد ما المكالمة اترد عليها…
عرفت إن اللي هيحصل بعد ربع ساعة هيقلب حياتهم كلهم رأسًا على عقب.
رن الهاتف مرة واحدة فقط.
ألو يا أستاذ شريف… أنا سارة.
جاءها الصوت الهادئ من الطرف الآخر.
خير يا دكتورة؟
قالت وهي تنظر إلى الباب الذي كان يهتز تحت كريم
افتكر آخر مرة قلتلي فيها لو جه اليوم اللي حد حاول يطردك من شقتك أو يمنعك حتى من الأكل فيها… اتصلي بيا فورًا؟
ساد الصمت ثانية.
ثم قال المحامي
أنا قريب منك أصلًا… خمس دقايق وهكون عندك، ومعايا حد لازم يكون حاضر.
أغلقت الخط.
في الخارج كان كريم ېصرخ.
افتحي يا سارة! متستفزش أعصابي!
أما أمه فكانت تقول بثقة
سيبها… هتطلع تعتذر بعد شوية. الستات آخرهم كده.
ابتسمت سارة لأول مرة منذ شهور.
لم تكن ابتسامة انتصار…
بل ابتسامة شخص انتهى خوفه.
بعد اثنتي عشرة دقيقة…
رن جرس الباب.
فتحت أم كريم وهي تبتسم، ظنًا منها أن إحدى الجارات جاءت.
لكن ابتسامتها اختفت فورًا.
وقف أمامها رجل في الخمسين من عمره يحمل حقيبة أوراق جلدية.
وبجواره مأمور تنفيذ، ومعهما فرد أمن إداري تابع للمجمع السكني.
قال الرجل بهدوء
مساء الخير… أنا المستشار شريف، محامي الدكتورة سارة.
تدخل كريم بعصبية.
إيه الهبل ده؟
فتح المحامي الملف أمامه.
الهبل الحقيقي إنك مقيم في شقة لا تملك فيها مترًا واحدًا… ولا تدفع جنيهًا واحدًا.
أخذ ورقة وسلمها لمأمور التنفيذ.
ثم أكمل
ودي نسخة من عقد الملكية… ودي إيصالات الأقساط… ودي تحويلات البنك اللي تثبت إن كل مصروف في الشقة خارج من حساب الدكتورة سارة.
ابتلعت أم كريم ريقها.
لكنها قالت بتحدٍ
ده ابني جوزها… من حقه يقعد.
ابتسم المحامي.
من حقه كزوج… طالما الزوجة موافقة.
ثم الټفت إلى سارة.
هل حضرتك ما زلتي موافقة إنه يقيم هنا؟
نظرت إلى كريم طويلًا.
تذكرت الليالي التي كانت تعود فيها مرهقة فتجده يلعب.
وتذكرت يوم باع خاتمها بحجة أنه يحتاج ألوانًا للرسم.
وتذكرت كذبه حين قال إن لديه معرضًا قريبًا، ثم اكتشفت أنه لم يرسم لوحة واحدة منذ سنة.
وأخيرًا…
تذكرت طبق الشوربة.
قالت بهدوء شديد
لا.
خرجت الكلمة بسيطة…
لكنها كانت كافية.
تغير لون وجه كريم.
إنتِ بتهزرِي؟!
رد المحامي

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى