
من وقتها، ومن اللحظة دي بالذات، معاملتي ليها اتقلبت 180 درجة. برغم إن الدكتور قعد يشرحلي ويفهمني إن المرض ده مش معدي نهائي، وإنه مجرد خلل في المناعة ملوش أي باللمس أو التعامل اليومي، إلا إن الكلام ده كله كان بيدخل من ودن ويخرج من التانية. أنا مكنتش سامع اصلا”.
بدأت أتهرب منها. مكنتش قادر ألمسها، ولا حتى قادر أنام جمبها في واحد. كنت أول ما أقرب منها وأشوف البقع دي، يجيلي شعور بالاشمئزاز مكنتش قادر أسيطر عليه. بقيت أتحجج بأي حاجة؛ مرة أقولها أنا راجع تعبان ومش قادر، ومرة أقول أنا مضغوط في الشغل ومحتاج أقعد لوحدي في الأوضة التانية عشان أركز. الأمر مالمسش وبس، أنا بقيت أرفض تماماً إنها تخرج معايا في أي مكان. كنت بخترع حجج عشان متمشيش جمبي والناس تشوفها بالشكل ده.
-
والد 6 أشقاء يكشف كواليس اللحظات الاخيرةمنذ يوم واحد
-
حدائق الأهراممنذ يومين
الحاجات دي كلها، مع طبيعة اللي لسة بتستوعبه، كانت قلب هيام بالبطيء. كانت بتبص في عيني وتشوف نظرة النفور والهروب، وده جاب لها حالة . انطفت الضحكة اللي كانت بتنور البيت، وبقت تقضي يومها كله عياط وسرحان في المراية، وهي شايفة شريك حياتها بيتبخر من حواليها.
لحد ما جه اليوم اللي فجر كل حاجة. كان فرح واحد من أعز أصحابي، والمصادفة إن خطيبته (اللي هتبقى مراته الليلة دي) كانت الصديقة الصدوقة لهيام. هيام من قبل الفرح بأيام كانت فرحانة، واعتبرت المناسبة دي فرصة عشان تخرج من الاكتئاب وترجع للحياة. يومها، شوفتها واقفة قدام المراية بتحاول تداري البقع بالمكياج، ولبست فستانها وجهزت وكانت مستنياني بابتسامة .
أول ما شوفتها جاهزة، حسيت بضيق شديد في صدري. . قربت منها وببرود قاسي قولت لها: “لا.. مش هتيجي معايا. أنتي تعبانة ومحتاجة ترتاحي في البيت”.
الكلمة صدمتها، بس هيام مكنتش غبية. كانت فهمت كل حاجة وفهمت النبرة اللي ورا كلامي. شوفت وهي بتتجمع في عيونها، بس حبستها بقوة غريبة. أصرت تروح وقالت لي بصوت مرتعش بس حازم: “أنا مش تعبانة يا أحمد.. وأنا أقدر أروح لوحدي لو أنت مش عايزني معاك ومش عايز تمشي جمبي”.
حسيت بالذنب والكسوف من نفسي، وفي نفس الوقت كنت مضايق جداً لإنها حطتني في موقف مفيش منه مفر. وافقت وأخدتها معايا وأنا على آخري، مبرطم طول الطريق.
كانت دي أول مرة تخرج فيها وتواجه مجتمعنا بعد ما المرض . وأول ما دخلنا القاعة، حصل اللي كنت خايف منه. الناس بدأت تبص، وصاحباتها بدأوا يسألوها بفضول قاتل: “إيه ده يا هيام؟ ماله جلدك؟ روحتوا لدكاترة؟”
أنا مكنتش قادر أستحمل المشهد. سيبتها واقفة لوحدها وبقيت أتهرب من القعاد معاها طول الحفلة. كنت بروح أقف مع أصحابي بعيد، وأبص عليها من بعيد وهي قاعدة لوحدها على التربيزة، مكسورة، وعيونها بتدور عليا وسط الزحمة وملقيتنيش جمبها.
رجعنا البيت بالليل، والجو كان مشحون بطاقة تخنق. هيام كانت منهارة تماماً بسبب تصرفي وتجاهلي ليها قدام الكل. أول ما قفلت باب الشقة، لفت ليا وفوراً كلمتني بغضب مكتوم وصوت كله :
”مالك؟ ليه بتعمل كده؟ هو أنا يعني كنت اشتريت ده بـ إيدي؟! هو أنا اللي اخترت كده؟!”
كنت مخنوق زي العادة، ومش طايق أسمع عتاب، فقررت بنفس الطريقة المستفزة. فكيت كرافتي وقولت وأنا عاطي لها ضهري:
”أنا تعبان ومش قادر للمناهدة دي دلوقتي.. نتكلم الصبح”.
لكن هيام المرة دي . وقفت قدامي بكل قوتها المتبقية، وصرخت فيا وشها:
”لا! هنتكلم دلوقتي يا أحمد! مش هتهرب تاني! هو كل الوقت اللي قضيناه سوا ده.. السنين اللي عشناهم، أنت مكنتش شايف فيا غير جمالي وبس؟! مكنتش شايف فيا إنسانة، زوجة، روح؟ للدرجادي شكلي هو كل قيمتي عندك؟!”
لقيت نفسي، وتحت ضغط خنقتي وعصبيتي، بقرر أكون وجارح لأبعد مدى. قولت لها وعيني في عينها:
”أيوة يا هيام.. أنا طول عمري الجمال هو أولوياتي في الحياة. أنا بحب المناظر للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده، مش بإيدي!”
”وأنا منظري مبقاش يريحك يا أحمد؟”
سكت.. ملقيتش كلام أقوله. مكنتش قادر أكدب ومكنتش قادر أواجه حقيقتي. سكوتي ده كان الإجابة ليها.
مسحت دموعها فجأة بحزم وقوة غريبة، ورفعت راسها وقالت لي:
”خلاص.. ”.
أنا في اللحظة دي، الكلمة كانت زي طوق النجاة اللي مستنيه. حسيت إنها جات منها هي عشان ميبقاش شكلي وحش قدام نفسي. قولت لها فوراً ومن غير تردد:
”زي ما تحبي يا هيام”.
اتاني يوم الصبح، هيام لمت كل هدومها وحاجتها، ومشيت راحت عند أهلها من سكات، من غير ما تبص وراها حتى بصه واحدة.
بعد ما قفلت الباب وراها، قعدت على الكنبة. كان جوايا غريب؛ فيه جزء مني حاسس بالذنب لإني اتخليت عن إنسانة ملهاش ذنب في مرضها، بس الجزء الأكبر والأقوى كان بيقولي إن كده أفضل ليا وليها. كنت فاكر تماماً إني كده ارتحت، وإني هقدر أرجع أعيش حياتي المثالية من تاني
دخلت نمت في لوحدي، ونمت نوم عميق وطويل كأني كنت شايل جبل وانزاح من على صدري.
تاني يوم، صحيت على نور الشمس وهو ضارب في عيوني بقوة من الشباك. فتحت عيني ببطء وأنا بتثاءب،
بس اللي شوفته وقتها…خلاني أتجمدت في مكاني. النفس من صدري، وغبت عن الوعي من شدة الصدمه!!!
## الجزء الثاني: المرآة لا تكذب
سقطت أرضاً ولم أدرِ كم من الوقت مرّ وأنا غائب عن الوعي، لكن عندما بدأت أسترد وعيي تدريجياً، كان جسدي برودةً رغم حرارة شمس الصيف التي تملأ الغرفة. حاولت الوقوف، وسندت يدي على حافة السرير بجسد واهن كأنني عجزت في ليلة واحدة.








