
سعيد بص للشاشة، وقرأ الرسالة بصوت واطي
قوله ما يدورش على الدفتر. لو ظهر، مش هو الوحيد اللي هيتضرر.
فضلنا ساكتين.
وبعدها سعيد كتب لعماد يسأله إذا كان شريف وضح قصده.
لكن عماد رد بعد دقائق
لأ. قفل المكالمة، ومش بيرد.
سعيد حط الموبايل في جيبه، وبص لي.
وقال
واضح إننا لسه في أول الطريق.
في نفس الليلة، كنت قاعدة في أوضتي، بحاول أراجع كل اللي حصل من يوم
الفرش لحد دلوقتي.
أمي كانت في الصالة، وما بينا كان فيه صمت غريب.
من ساعة ما عرفت بموضوع عماد والرسالة، وهي ما سألتنيش عن أي تفاصيل،
رغم إنها كانت بتراقبني كل ما أمسك الموبايل.
قررت أخرج وأسألها بصراحة.
دخلت الصالة، وقعدت قدامها.
قلت
ماما، أنا محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.
ردت من غير ما تبص لي
اتكلمي.
سألتها
إنتِ تعرفي حد اسمه شريف منصور؟
الموبايل وقع من إيدها على الكنبة.
رفعت عينيها بسرعة، وبصت لي پصدمة واضحة.
مين قال لك الاسم ده؟
أنا اتجمدت.
لأن رد فعلها كان أكبر بكتير من مجرد استغراب.
قلت لها
إيه يا ماما؟ إنتِ تعرفيه؟
قامت من مكانها، ومشت خطوتين، وبعدين رجعت وقعدت.
فضلت ساكتة فترة طويلة، وأنا مستنية.
وأخيراً قالت
أنا أعرفه من زمان.
سألتها
منين؟
ردت بصوت منخفض
كان بيشتغل مع واحد قريب مننا، من سنين طويلة.
قلت لها
قريب مننا مين؟
بصت لي، وعينيها مليانة ارتباك.
وبعدين قالت
أبوكي الله يرحمه.
قلبي وقف للحظة.
أبويا؟
أنا طول عمري أعرف إن بابا كان موظف، وإنه ما كانش له علاقة بورش أو تجارة أو حسابات تخص عيلة سعيد.
سألتها
إيه علاقة بابا بشريف منصور؟
أمي حطت إيديها على وشها، وقالت
في حاجات من زمان ما كنتش عايزة أفتحها تاني.
قربت منها وقلت
ماما، الموضوع بقى يخصني. أنا مش هسيبك تتعبي نفسك، لكن لازم أعرف.
رفعت راسها وقالت
أنا مش عارفة إذا كنت هتسامحيني لما تعرفي.
حسيت إن رجلي بتترعش.
أسامحك على إيه؟
أمي ما ردتش مباشرة.
قامت، وفتحت الدولاب، وطلعت صندوق خشب صغير، كان موجود عندها من سنين.
حطته على الترابيزة، وفتحته بمفتاح كانت مخبياه في درجها.
جواه كانت فيها صور قديمة، وخطابات، وأوراق متربطة بشريط قماش.
طلعت صورة، ومدتها لي.
كانت صورة لأبويا وهو شاب، واقف جنب راجل ما عرفتهوش في الأول.
لكن لما قربت الصورة من عيني، اكتشفت إنه عماد.
أمي قالت
أبوك كان يعرف عماد من قبل ما سعيد يتولد بسنين. وكان فيه تعاملات بينهم، مش كلها كانت تخص الشغل.
بصيت لها پصدمة.
يعني بابا كان يعرف عيلة سعيد؟
هزت راسه.
أيوه.
سألتها
طب ليه ما قلتيليش؟
قالت
لأن الموضوع انتهى من زمان، وأنا كنت فاكرة إنه مش هيظهر تاني.
مديت إيدي للصندوق، وبدأت أقلب الأوراق.
لقيت خطاب قديم عليه اسم أبويا، وفي آخره توقيع شريف منصور.
لكن اللي شد انتباهي أطر كان ظرف صغير مكتوب عليه بخط أبويا
أمانة لا تُسلَّم إلا لصاحبها.
فتحت الظرف، ووجدت بداخله ورقة واحدة، مكتوب فيها اسم سعيد كاملًا، وتاريخ يعود إلى ما قبل ۏفاة والده.
رفعت عيني لأمي وسألتها
إيه علاقة الورقة دي بسعيد؟
أمي بدأت ټعيط.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن الأمانة دي ضاعت.
سألتها وأنا مش قادرة
أستوعب
أمانة إيه يا ماما؟
لكنها ما جاوبتش.
فضلت تبكي، وبعدها قالت جملة واحدة قلبت كل حاجة في دماغي
أبوك كان آخر شخص شاف دفتر الحسابات قبل ما يختفي.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
دفتر الحسابات اللي سعيد بيدور عليه، واللي ممكن يوضح حقيقة الالتزامات المالية القديمة، كان آخر شخص شافه أبويا.
يعني أمي كانت تعرف شريف منصور، وأبويا كان يعرف عماد، وفيه ورقة قديمة تخص سعيد موجودة في صندوق عندنا من سنين.
بصيت لأمي وقلت
إنتِ كنتِ عارفة من البداية إن فيه علاقة بين عيلتنا وعيلة سعيد؟
أمي هزت راسها ببطء.
كنت أعرف إن أبوكي كان بيساعدهم في موضوع قديم، لكن ما كنتش أعرف تفاصيل الحسابات.
سألتها
وليه لما عرفتي إني هتجوز سعيد، ما قلتيليش؟
أمي مسحت دموعها وقالت
لأن أبوكي طلب مني ما أفتحش الموضوع ده إلا لو اضطرينا. وأنا لما عرفت إنك اتخطبتي لسعيد، خفت إن الماضي يرجع يوجعك.
قلت لها
لكن إنتِ ما حاولتيش تعرفي الحقيقة. إنتِ قررتي توقف الجوازة من غير ما تسمعيه.
أمي نزلت عينيها للأرض.
ولأول مرة، ما حاولتش تدافع عن نفسها.
قالت بصوت مكسور
أنا غلطت يا ندى.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعد لحظات، سألتها
طيب، الورقة دي بتقول إيه؟
أمي بصت للورقة، وبعدين قالت
مش عارفة. أنا عمري ما فتحتها.
فردتها على الترابيزة، وبدأت أقرأ.
كانت مكتوبة بخط أبويا، وفيها جملة واحدة واضحة
تم تسليم الدفتر إلى صاحبه الشرعي، بحضور الشاهدين، على أن يتم إغلاق الحسابات بعد مراجعة المستندات الأصلية.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع أبويا، وتوقيع تاني مش واضح بالكامل.
لكن في آخر الورقة، كان فيه عنوان قديم مكتوب بخط صغير.
عنوان مخزن في حي قديم في القاهرة.
رفعت عيني لأمي.
ماما، إنتِ تعرفي العنوان ده؟
بصت للورقة، ووشها شحب.
وقالت
أيوه.
سألتها بسرعة
فين؟
ردت بصوت مرتعش
ده عنوان المخزن اللي أبوكي كان بيحتفظ فيه بأوراق شغله القديمة.
مسكت الورقة بإيدي، وقلبي بيدق پعنف.
لأننا أخيراً بقينا قدام دليل ممكن يوصلنا للدفتر.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، موبايل أمي رن.
بصت للشاشة، ولما شافت الرقم، إيديها بدأت ترتعش.
سألتها
مين؟
ما ردتش.
الموبايل فضل يرن، وهي باصة له كأنها خاېفة ترد.
وفي النهاية، ضغطت على زر الإجابة، وفتحت مكبر الصوت من غير ما تتكلم.
جالنا صوت راجل، هادي لكنه حاسم
مساء الخير يا صفية.
أمي غمضت عينيها.
الراجل كمل
واضح إنك فتحتي الصندوق أخيراً.
أنا بصيت لأمي، وبعدها للموبايل.
الراجل كان عارف الصندوق، وعارف إنها فتحته.
أمي ردت بصوت مرتعش
إنت عايز إيه يا شريف؟
شريف منصور.
الاسم اللي ظهر في أوراق سعيد، واللي أمي اعترفت إنها تعرفه.
قال بهدوء
أنا عايز اللي اتفقنا عليه من سنين. والورقة اللي عندك دي لازم ترجع لمكانها.
أمي قالت
إنت قلت لي إن الموضوع انتهى!
رد
الموضوع ما انتهيش، وإنتِ عارفة كويس إن فيه ناس دفعت تمن سكوتها سنين طويلة.
أنا قربت من الموبايل وقلت
إنت مين؟ وإيه علاقتك بأبويا وبسعيد؟
سكت الطرف التاني لحظة.
وبعدين قال
إنتِ ندى؟
قلت
أيوه.
تنهد وقال
يبقى واضح إن الوقت جه عشان تعرفي الحقيقة. لكن مش على التليفون.
سألته
طيب، نتقابل فين؟
رد
بكرة الساعة ستة، في العنوان المكتوب على الورقة. تعالي مع أمك، ولو عايزة سعيد يعرف الحقيقة، خليه ييجي معاكي.
وبعدين أضاف قبل ما يقفل
لكن لازم تكونوا مستعدين تسمعوا حكاية مش هتعجب حد فيكم.
الخط اتقفل.
فضلت باصة للموبايل، وبعدها بصيت لأمي.
كانت بټعيط بصمت، وإيديها بتترعش.
سألتها
ماما، إ اللي حصل زمان؟
ردت وهي بتمسح دموعها
بكرة هتعرفي.
لكن أنا ما كنتش مستعدة أستنى.
قلت لها
لأ يا ماما. أنا استنيت كتير، وكل يوم بتظهر حاجة جديدة. لو فيه حاجة تخص أبويا، أو تخص سعيد، أو تخص حياتي، لازم أعرفها دلوقتي.
أمي رفعت عينيها ليا، وقالت بصوت مكسور
أبوك ما كانش مجرد شخص بيساعد عيلة سعيد. أبوكي كان الشاهد الوحيد على اتفاق قديم، ولو الاتفاق ده اتكشف بالكامل، ناس كتير هتضطر تواجه حاجات حاولت تنساها سنين.
حسيت إن قلبي بيتقبض.
ناس مين؟




