
الحاجة سكينة حطت الكيس على الأرض وبدأت تفرغه بهدوء، وفجأة سمعت صوت خبط خفيف جاي من ناحية الحيطة اللي وراها. خبطتين.. ثم سكون.
حطت ودنها على الحيطة وقالت بصوت واطي:
“لسه بدري يا ابني… اصبر.”
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.. ابن مين؟ هي بتكلم مين؟
رجعت ناحية الترابيزة وفتحت درج صغير طلعت منه كراسة قديمة، وقلبت لحد ما وصلت للصفحة معينة لمحت فيها صورة شاب صغير شبهها بشكل واضح، وتحت الصورة مكتوب بخط إيد:
“سالم… آخر مرة شوفته فيها كانت سنة 2001.”
قبل ما أقدر أفكر أكثر سمعت صوت من ورايا:
“أحمد؟”
اتجمدت.. الحاجة سكينة كانت واقفة عند باب الأوضة وبتبص ناحية الستارة. خرجت من ورا الستارة ببطء وأنا بترعش:
“أنا.. أنا آسف يا حاجة. والله ما كان قصدي أتدخل.”
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قفلت باب الأوضة بالمفتاح وقالت:
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.. شوفت السبب اللي مخليني بطلب منك الطلب ده كل يوم.”
قربت منها وقلت: “طيب قوليلي.”
بصتلي في عيني وقالت: “بس قبل ما أقولك.. لازم توعدني لو اللي هحكيهولك خلاك تخاف.. متسيبنيش لوحدي.”
وبدأت تحكي إن ابنها سالم اختفى من أكثر من 25 سنة بعد ما كان بيبحث عن حقائق تخص أملاك العمارة القديمة ومستنداتها المفقودة. وقالت إن الجزار الحالي هو حفيد عائلة قديمة كان اسمها مذكور في أوراق قديمة وجدها سالم.
المشهد الثاني
أنا مش عارف لحد النهارده إيه اللي خلاني أصدق كلامها، يمكن لأنني كنت شايف بعيني حاجة مفيش تفسير منطقي ليها.
قالت إن العمارة زمان مكنتش سكنية بل كانت مخزن تابع لشركة كبيرة، وتحتها قبو قديم (بدروم) كان سالم ينزل إليه قبل اختفائه.
دخلنا الممر، ووقفت قدام حائط قديم، وضغطت على جزء من السيراميك فتح وراها باب حديد مخفي وراءه سلم نازل لتحت.
نزلنا درجات ببطء لحد ما وصلنا للبدروم القديم. على الحيطان كانت فيه علامات بالقلم أرقام وتواريخ، وفي آخر المكان باب حديد قديم قالت إن سالم اختفى بعد ما دخل وراه.
ومن أسبوع لقت مفتاح جوه كيس الطلبات، وحاولت تدخله في الباب.. لكن قبل ما تلفه، سمعنا صوت خطوات فوقينا وصوت الجزار بينادي عليها!
طفت النور وقفتنا في الضلمة، وبعد ثواني سمعناه بيقول: “أنا عارف إنك هنا.. وأحمد كمان هنا.”
لكن قبل ما يوصل لنا، سمعنا صوت باب العمارة بيفتح بعنف وصوت راجل يقول: “شرطة.”
طلعنا لقينا ظابط واقف عند باب الشقة وفي إيده صورة قديمة، وقال للحاجة سكينة:
“إحنا لقينا أدندست ومستندات تخص ابنك سالم في مخزن قديم بالأسفل.. وظهوره سيحل لغز غيابه الطويل.”
المشهد الثالث
الشرطة بدأت تحقق بشكل رسمى، والجزار اختفى ومحله قفل.
بعد يومين رجع الظابط وقال إن التحقيقات الأولية تؤكد وجود أدلة مهمة حول اختفاء سالم.
لكن قبل ظهور النتائج النهائية، الأوضة السرية اتفتحت بالليل وكل حاجة اتبهدلت، واختفت صورة سالم وحدها!
بدأنا نعرف إن صاحب الشركة القديمة كان اسمه “الحاج فؤاد”، وقد مات من 15 سنة، لكن عنده ابن اسمه “شريف” شغال محامي والعمارة جزء من أملاكه.
لما اتحقق مع شريف وانواجه بالصور والعلامات، اعترف جزئياً أن أبوه كان بيستقبل ناس في البدروم، وأن ليلة اختفاء سالم سمع خناقة وصوت حاجة وقعت لكنه خاف ومعملش حاجة.
بعد أيام ظهرت مفاجأة أخرى؛ ظرف تركه الجزار القديم ومكتوب عليه “لسكينة.. لو ابني سالم لم يعد”، وفيه ورقة تقول: “يا أمي، متدوريش على الحقيقة بالطريقة دي.. دوري على اللي يقدر يساعدك بجد.”
وفي نفس اللحظة رن موبايل الجزار برقم مجهول، وقالت ست كبيرة من الناحية التانية:
“قول لسُكينة إن بنتها لسه عايشة!”
المشهد الرابع
جملة “بنتها لسه عايشة” قلبت كل موازين القصة. الحاجة سكينة قالت إن كان عندها بنتاً اسمها “مريم” اختفَت وهي في سن 17، وكان أبوها قد قيل لها إنها ماتت في حادث.
بعد بحث الشرطة، اتضح أن مريم عائشة في مدينة ثانية بعد أن ساعدها “شريف” على الهروب صغيراً لأنه لم يكن موافقاً على ما يفعله والده.
بعد أيام وصلت ست في أواخر الأربعينات إلى باب الحاجة سكينة، وقالت: “ماما؟” ووقعت الحاجة سكينة على الأرض من الصدمة لتلتقي بابنتها بعد عقود.
مريم أخرجت هاتفاً قديماً لسالم كان يحتوي على تسجيلات تدين الشركاء في إخفاء المستندات، وصوت شريف نفسه ظهر ليقول إن الحقيقة في الحائط.
فتشنا الحيطان مرة أخرى لنعثر على صندوق معدني مليان عقود وصور وأسماء تؤكد تورط والد شريف والجزار القديم في إخفاء أوراق العمارة.
ألقي القبض على شريف واعترف بكل شيء، واتضح أنه حاول إنقاذ سالم ومريم ولكنه كان خائفاً من أبيه طوال تلك السنوات.
المشهد الخامس والأخير
مرت شهور وتخرجت من كليتي وسافرت لعملي، لكنني لم أنسَ الحاجة سكينة أبداً.
بعد سنة رجعت أزورها، لقيتها قاعدة في البلكونة ومعها مريم، وقالت لي وهي تبتسم:
“أنا أخيراً بطلت أحلم بسالم.. بقيت بحلم بيه وهو بيضحك، دي علامة إن ابني ارتاح.”
بعدها بأشهر، اتصلت بي مريم وقالت إن الحاجة سكينة تعبت. رحت فوراً ولقيتها على السرير تمسك إيدي وتقول:
“خلي المفتاح معاك.. مش عشان الأسرار، عشان تفتكر إنك في يوم دخلت أوضة وخوفت من اللي شفته.. وخرجت منها أقوى.”
توفيت الحاجة سكينة بهدوء، وأصبح لسالم حق محفوظ واسم ودعوة من أمه.
أما أنا.. فاحتفظت بالمفتاح، وكلما رأيت جزاراً يضع طلباً في كيس تذكرتها وتذكرت كلماتها:
“مش كل حاجة شكلها غريب تبقى شر.. ومش كل حاجة شكلها معتاد تكفي. خليك دايماً جنب اللي بيطلب منك المساعدة.. يمكن تكون أنت آخر أمل عنده.”
وهذا كان سر الـ 15 كيلو.. لم يكن كلباً ولا حيواناً، بل كانت أمٌ عجوز تجمع خيوط الحقيقة قطعة ورا قطعة، لتعود العائلة المشتتة وتظهر الحقيقة كاملة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




