
لحد ما عدت سنة بحالها.. سنة كاملة بدون حتى كلمة سلام. وفي يوم، جالي اتصال مفاجئ من واحد صاحبي مكلمنيش من سنين، وبصوت حزين قال لي
البقاء لله يا علي..
أمك اتوفيت.. انزل عشان تلحق ال جنازة.
نزلت مصر بسرعة وقلبي بيتقطع، بس للأسف، لما وصلت كانت ال دفنة خلصت وخلص كل حاجة. طلعت جري على المقاپر، وقعدت عند قپرها وقولت بوجع
ليه يا أمي.. ليه عملتي بينا كل البعد ده.. عشان بخلك وحبك للفلوس؟! ليه حرمتيني منك ومن رضاكي؟!
وأنا قاعد مهموم ، بقيت باصص للقبر ومش مصدق إنها راحت.. حسيت بحد بيقرب مني. رفعت عيني، لقيت راجل كبير في السن، أول مرة في حياتي أشكفه
وقف قدامي، وبصلي نظرة غريبة وقال لي بهدوء البقاء لله يا علي؟
وفي اللحظة دي، اكتشفت الحقيقة اللي كسرت ضهري للأبد.. عرفت امي عملت كده ليه وكانت بتودي الفلوس فين وياريتني مت قبل ما اعرف !!!
وقفت قدام الراجل الكبير وأنا بمسح دموعي، وقلتله بصوت مبحوح حضرتك مين؟ وعرفتني منين؟
بصلي بحزن وقال أنا اسمي عم رجب، كنت جار أمك الله يرحمها أكتر من تلاتين سنة، وكنت آخر واحد معاها قبل ما تموت. بس قبل ما أمشي من هنا، لازم أقولك على أمانة شالتها أمك في رقبتها، وكانت كل يوم بتدعي ربنا إنك تعرف حقيقتها قبل ما تموت.
بصيتله باستغراب وقلبي بدأ يدق بسرعة، وقلتله أمانة إيه؟ وأمي كانت مخبية عني إيه؟!
طلع من جيبه ظرف بني قديم، أطرافه كانت متنية من كتر ما اتفتح واتقفل، ومدهولي وقال أمك سابتلك الظرف ده، وقالتلي لو علي جه يوم ووقف عند قپرها، أديهوله. قالتلي إنك هتيجي، حتى لو اتأخرت، وإن قلبك مش هيستحمل الحقيقة، بس لازم تعرفها.
مسكت الظرف وإيدي بتترعش، وفتحته بسرعة، لقيت جواه جواب بخط أمي، ومعاه شوية إيصالات تحويلات بنكية وأوراق قديمة.
فتحت الجواب، وأول كلمة شفتها كانت
ابني وحبيبي علي…
وقفت مكاني، والحس إن نفسي
اتسحب مني، وكملت أقرا.
لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا مشيت من الدنيا قبل ما أشوفك تاني، ويمكن تكون لسه زعلان مني، ويمكن تكون شايل في قلبك إني بخيلة ومش بحب أشوفك فرحان. بس والله يا ابني، لو كنت تعرف أنا كنت بعمل إيه بالفلوس اللي بتبعتهالي، كنت جيت جريت عليا وحضنتني بدل ما تسيبني سنة كاملة مستنيا مكالمة منك.
فاكر لما كنت صغير، ووالدك مات وإنت عندك عشر سنين؟ فاكر اليوم اللي رجعت فيه من المدرسة ولقيتني ببيع الدهب بتاعي عشان أسدد ديون أبوك؟ وقتها وعدت نفسي إني عمري ما هسيبك محتاج لحد، وإنك لو كبرت وبقيت راجل، هتفضل ضهرك متسند عليا حتى لو أنا مبقتش موجودة.
بس في حاجة عمرك ما عرفتها…
هنا حسيت إن رجلي مش شيلاني، وقعدت على الأرض جنب قپرها، ودموعي نزلت على الورقة.
كملت قراية.
من خمس سنين، بنت جارتنا أمينة جتلي وهي بتعيط. جوزها مات وسابلها تلات عيال، أكبرهم عنده تسع سنين، وأصغرهم لسه بيرضع. كانت مديونة بالإيجار، وصاحب البيت هددها بالطرد، وابنها الكبير كان هيسيب المدرسة ويشتغل عند ميكانيكي عشان يصرف على إخواته.
يومها افتكرت نفسي لما بقيت أرملة، وافتكرت خوفك وإنت صغير لما كنت بتصحى من النوم تنادي على أبوك. معرفتش أسيبهم يضيعوا، فدفعت ديونها، وسددت إيجار بيتها، وبدأت أساعدها كل شهر.
ولما إنت بقيت تبعتلي خمسين ألف جنيه، كنت باخد جزء بسيط أعيش منه، والباقي كنت بوزعه على أسر فقيرة، وأيتام، وناس مرضى مش لاقيين تمن العلاج.
كنت بقول لنفسي إن ربنا كرمني بابن ناجح، وإن الخير اللي بيجيلي لازم يوصل لغيري.
وقفت عن القراية، وبصيت لعم رجب وأنا مش قادر أتكلم.
قلتله يعني أمي كانت بتطلع الفلوس صدقة؟! طب ليه مقلتليش؟ ليه كانت عايشة بالشكل ده؟!
عم رجب تنهد وقال سألتها السؤال ده كتير يا ابني. كانت تقوللي علي بيتعب في شغله عشان يبعتلي الفلوس، وأنا مش عايزة أكون سبب في إنه يحس إنه مسؤول عن كل فقير في البلد. لو عرف، هيزعل ويقولي بطلي، ولو طلبت منه فلوس للناس دي، يمكن يفتكر إنهم استغلاليين. أنا عايزة أساعدهم من غير ما أحمله هموم زيادة.




