روايات وقصص

سلفتي كل ما ندخل نطبخ سوا

أول ما دخلوا الصالة، شافوا انتصار واقفة تعيط بنكد ومكسورة، وحماتي ماسكة التلفون بتاعي وبترتعش من الغيظ.
​جوز انتصار قرب بخضة وقال:
​«فيه إيه يا أمي؟! مالك بتزعقي ليه كده؟ وانتصار بتعيط ليه؟»
​حماتي رمت التلفون في وشه وقالت بحدة:
​«اتفرج على الهانم مرتك! اتفرج على اللي نازلة أكل في حلة اللحمة كل خميس، وتيجي تتهم سيلفتها بالباطل وتقول خديجة بتسرق الأكل وتطلعه لشقتها! اتفرج على الستر اللي كانت عايشة فيه وجبروتها اللي فضحها!»
​جوزها مسك التلفون وشاف الفيديو.. وش جوزها اتغير مية وثمانين درجة، بقى أحمر من الكسفة والعار. بص لمراته بنظرة كفيلة تقتلها، وقال بصوت حاد ومخلوط بالخزي:
​«أنتِ بتعملي كده يا انتصار؟! تفضحينا عشان حتة لحمة؟ وتتبلي على حرمة أخويا الشريفة اللي شايلانا وشايلا بيتنا؟! بقى أنا شغال طول الأسبوع وطفحان الكوتة عشان أجيب القرشين، وأنتِ نازلة بلع في المطبخ وتفضحينا قدام أمي وأخويا؟!»
​انتصار ما لقيتش كلمة واحدة تقولها، وقفت تعيط وتندب بحسرة بعد ما كل حيلها اتكشفت قدام الكل، وبقت تبص للفيشة والحيط ومش قادرة تحط عينها في عين حد. جوزها أخدها من إيدها بغضب وشدها على السلم وهي بتتسحب وراه زي الفراخ المبلولة، وطلعها شقتها فوق وهو بيزعق ويأنب فيها على الفضيحة والكسفة اللي حطته فيها قدام أهله، وصوت خناقهم كان مسموع في البيت كله.
​جوزي قرب مني، مسك إيدي وطبطب عليا بحنية وقال:
​«حقك عليا يا خديجة.. أنتِ أصلك طيب ونظيف طول عمرك، وما كانش المفروض تسكتي كل ده ولا تسمحي لحد يمس كرامتك. لو كنتِ قلتيلي من الأول ما كنتش سبتها تتمادى كدة.»
​رديت عليه بابتسامة هادية:
​«أنا كنت شارية البيت يا أبو عيالي، وما كنتش عايزة أعمل مشكلة على أكل وشرب.. بس لما اللقمة بقت تمس شرفي وأمانتي، كان لازم أوقف كل واحد عند حده.»
​حماتي بصتلي، ولأول مرة أشوف في عيونها نظرة أسف وحنيّة حقيقية. قربت مني ومسكت وشي بإيديها الجافة وقالت بصوت مكسور:
​«سامحيني يا خديجة يا بنتي.. أنا اتقسيت عليكِ وظننت فيكِ ظن سوء بسبت كلام العقربة دي. أنتِ طلعتي بنت أصول وصاينة البيت، وهي اللي كانت بتاكل في أكلنا وخيرنا وتتبلى عليكِ. العيب مش عليكِ، العيب عليّ أنا اللي صدقت الوش الناعم وعميت عن الحقيقة.»
​قلت لها وأنا ببوث إيدها:
​«حصل خير يا حماتي، أنتِ زي أمي وما أزعلش منك أبداً، المهم إن الحق ظهر والبيت يفضل هادي ونظيف.»
​من اليوم ده، البيت اتغير تماماً وغزل انتصار كله اتقطع. حماتي خدت قرار صارم وقالت بصوت جازم أسمعت بيه الكل:
​«من هنا ورايح، ما فيش طبخة هتتعمل في البيت ده إلا وأنا قاعدة رشق في المطبخ من أول ما الحلة تحط على النار لحد ما نغرف! اللي هتمس ملعقة ولا تمد إيدها تدوق، هقطع إيدها! والمطبخ ده له نظام وإتيكيت، وما حدش يدخله إلا بكلمتي!»
​وبالفعل، بقت حماتي كل يوم خميس تجيب كرسيها الخشب الصغير، وتقعد بيه في باب المطبخ، نظارتها على مناخيرها، ومركزة في الحلة وفي كل حركة بنعملها. ماسكة دفتر صغير وتسجل فيه كل حاجة بالمللي!
​انتصار بقت تدخل المطبخ وشها في الأرض، ما تقدرش حتى ترفع عينها فيا ولا تقرب من الحلة سنتيمتر واحد. بقت تقف زي التلميذة الخايبة جنب الحيط، لما حماتي تقولها شيلي الطبق ده تشيله وهي ساكتة ومكسورة. حركاتها المستفزة وضحكاتها الماكرة اختفت تماماً، وبقت تمشي جنب الحيط من كتر الكسفة والعار اللي ركبها قدام جوزها وحماها والبيت كله.
​أما أنا، فبقيت أطبخ وانا مرتاحة البال، مناب كل واحد بقى ينزل في طبقه كامل ومظبوط زي ما ربنا قال. والأهم من اللحمة والأكل، إني كسبت احترامي وكرامتي قدام الكل، وحماتي بقت تعاملني كبنتها المقربة وتأكتمني على كل صغيرة وكبيرة في البيت.
​عرفت وقتها إن الصبر جميل، بس الأجمل منه إنك تعرف أمتى تتكلم وأمتى تطلع الحجة اللي في إيدك. الحق لما يظهر بهدوء وحكمة، بيكسر العين الزفرة، ويخلي صاحب الحق مرفوع الراس دايماً، والنية الصافية هي اللي بتكسب في الآخر.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى