
لما كان عندي 14 سنة ياسين أخويا شرب حاجة مجهولة في حفلة وخلطها بكمية كبيرة من المسكنات عشان حد قale إن ده هيخليه دماغه عالية أسرع. الميكس ده دمر له الكبد في أقل من 48 ساعة. جلده بقى لونه أصفر فجأة وبعدين عينيه.. بدأ يرجع دم في الحمام وجسمه كله بيتنفض وبابا وماما طاروا بيه على المستشفى.
كنت قاعدة في صالة الانتظار مرعبة لحد ما ماما سحبتني من إيدي للممر ومسكت كفوف إيدي بقوة وقالت لي يا ملاك أخوكي محتاج فص كبد.. وإنتي الوحيدة اللي مطابقة ليه.
جسمي كله سقع ودمي هرب من عروقي عايزين تفتحوا بطني؟
ردت بسرعة وهي بتحاول تقنعني الكبد بيجدد نفسه يا حبيبتي.. هي عملية واحدة وخلاص إنتي كده بتنقذي حياته وتهبيله عمر جديد.
بس أنا مش عايزة أعمل عمليات.. أنا خايفة يا ماما.
ماما ضغطت على إيدي أكتر وصوتها بدأ يعلى أخوكي بيموت يا ملاك إنتي فاهمة بيموت وإنتي بإيدك تنقذيه!
بس أنا خايفة يجرالي حاجة.. افرضي العملية فشلت، افرضي أنا اللي مت.
الدكاترة قالوا إنها أمان مفيش خطر عليكي.
طب ما هما قالوا إن ياسين ممكن ميعيشش! طالما هي أمان ليه هو حالته كده؟
وش ماما اتحول وبقت نظراتها قاسية أخوكي مرمي جوه بيصارع الموت عشان غلطة طيش غلطة واحدة هتدفع تمنها عمره.. وإنتي واقفة هنا بتفكري في نفسك؟
دموعي نزلت غصب عني.. كنت طفلة عندها 14 سنة وماما بتبص لي كأني مجرمة أو وحش عشان بس خايفة من المشرط والعمليات.
قلت بصوت مخنوق أنا مش بفكر في نفسي أنا بس مرعبة.
قالت لي بحدة خافي براحتك بس اعملي اللي عليكي.. ده حق العيلة والدم اللي بينكم.
في اللحظة دي بابا جه من عند أوضة ياسين شاف حالتي وخدني في حضنه وقال بهدوء يا ملاك يا بنتي.. أنا عارف إن الموضوع يخوف بس ياسين وقته بيخلص وقائمة الانتظار طويلة جدا.. هو ملوش غيرك.
سألته بكسرة طب ليه مش إنت أو ماما؟
عملنا التحاليل يا بنتي إحنا مش متطابقين.. مفيش غيرك ينفع.
كان لازم أفهم.. كان لازم أعرف من أول ما سحبوني للممر إن مفيش خيار تاني. دي عيلتي وده نظامها ياسين يطلب وملاك تنفذ.
لما ياسين حب ينقل ميعاد عيد ميلادي عشان ماتش كورة نقلناه. لما اتمسك بيغش في امتحان واحتاج حد يشيل الليلة بابا وماما بصوا لي أنا. دايمًا كنت رقم 2 دي كانت الحقيقة المرة.
قلت بصوت واطي طب والسباحة أنا عندي بطولة الجمهورية الشهر الجاي.. المدرب قال إن فيه كشافين من نوادي كبيرة هيجوا وممكن أخد منحة دراسية بسببها.. دي فرصتي الوحيدة أثبت نفسي.
ماما اتنهدت بضيق ونفخت سباحة! أخوكي بينتهي وإنتي بتكلميني في سباحة ونوادي؟
بابا بص لي بعيون تعبانة وقال الدكتور قال محتاجة 6 أسابيع عشان ترجعي لحياتك.. ممكن البطولة دي تروح بس فيه غيرها السنة الجاية. عملية واحدة يا ملاك وكل ده ينتهي أخوكي يخف وإنتي جرحك يلم ونرجع نعيش طبيعي.. أوعدك مش هنطلب منك حاجة زي كده تاني أبدًا.
كنت عايزة أصدقه.. كان نفسي أصدق إنها مرة واحدة وهتعدي وهنقذ أخويا وأرجع لحياتي ومافتكرش الكابوس ده تاني.
وعد يا بابا هي المرة دي بس؟
بابا حضنني بقوة وعد يا بنتي.. هي مرة واحدة بس.
ماما قربت مني وبست راسي وصوتها بقى حنين لأول مرة إنتي ملاكنا يا حبيبتي.. إنتي جيتي الدنيا دي عشان تنقذينا وعشان كده سميناك ملاك.
مابقتش عارفة أرد أقول إيه.. مكنتش حاسة إني ملاك كنت حاسة إني قربان. بس ده أخويا.. ياسين اللي علمني العوم في بحر الإسكندرية وأنا عندي 5 سنين اللي كان بيشيلني على كتفه في الزحمة عشان أشوف. اللي كان بيقولي هتكوني بطلة أوليمبية وأنا أول واحد هشجعك.
ياسين مكنش مثالي كان بياخد اهتمام أكتر مني وبيرخم عليا أوقات بس في الآخر هو أخويا.. مكنتش هقدر أسيبه يموت وأنا أقدر أعيشه.
قلت بضعف ماشي.. أنا موافقة.
جسم ماما كله ارتاح وبابا عصرني في حضنه شكرا يا ملاك.. شكرا يا حبيبتي إنتي أنقذتي العيلة من الضياع.
الساعات اللي بعدها كانت عبارة عن ضباب.. دكاترة إمضاءات على ورق ممرضات بيشرحوا حاجات مش فاهماها عن النسب ومضاعفات التخدير بس كل اللي كنت سامعاه هو دقات قلبي المرعبة.
وقبل ما يدخلوني العمليات بابا مسك إيدي وقال بنحبك أوي يا ملاك.. هنستناكي هنا إنتي وياسين هتقوموا بالسلامة.
وماما باست جبهتي إنتي بطلة.. أخوكي محظوظ بيكي.
كنت عايزة أتكلم بس البنج بدأ يسحبني لدنيا تانية.. آخر حاجة افتكرتها وأنا بغمض عيني هي إن ده أصعب شيء هعمله في حياتي ومفيش حاجة تانية ممكن تخوفني بعد كده.
الجزء الثاني: الحقيقة العارية
كنت فاكرة إن الوجع خلص بس دي كانت مجرد البداية.
فترة النقاهة اللي قالوا عليها 6 أسابيع مدت لتمانية. الجرح جاله تلوث في الأسبوع التالت وقضيت أيام زيادة في المستشفى على المحاليل والمضادات الحيوية وبابا وماما كانوا مقسمين وقتهم بيني وبين ياسين.. بس الحقيقة إنهم مكنوش مقسمينه بالعدل.
كانوا يدخلوا يطمنوا عليا 10 دقايق يقولوا لي إنتي بطلة يا ملاك وبعدين يختفوا بالساعات عند ياسين. كنت بسمع ضحكهم مالي الممر وصحابه داخلين خارجين ببلالين وهدايا. فريق السباحة بتاعي بعت لي كارت واحد بس المدرب مضى عليه ألف سلامة مستنيينك في حمام السباحة.. وبس.
بطولة الجمهورية بدأت وأنا لسه على سرير المستشفى. كنت بتفرج عليها من الموبايل وكاتمة الصوت عشان محدش
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




