قصص و روايات

كان عندي عشر سنين

جدتي فضلت ساكتة، وأنا لأول مرة رفعت عيني وبصيت لها من غير خوف؛ لأن أبويا أخيرًا بدأ يسأل الأسئلة اللي كان المفروض يسألها من زمان. لكن اللي محدش فينا كان يعرفه وقتها.. إن القفل ده ماكانش أسوأ سر كانت جدتي مخبياه.

جدتي رفعت رأسها ببرود غير عادي، وصوتها طلع ثقيل وبارد:
– أيوه أنا اللي حطيت القفل يا ناصر… وأنا اللي كنت بقفل السلسلة كل يوم! لأنك ضعيف، ومستعد تسيب بنتك دي تكبر وتجري وتهرب!

أبويا ناصر اتجمد مكانه، وشه اتقلب أصفر زي الجثة، وعينيه اتوسعت بذهول وصدمة هزت كيانه:
– إنتِ بتقولي الكلام ده ليه دلوقتي يا ماما؟!

جدتي ابتسمت بسخرية وقالت:
– عشان أنا أقسمت يومها إن البنت دي مش هتكبر وتطلع زي ما أتمت.. كان لازم أكسر شوكتها من وهي صغيرة وأحبسها تحت إيدي!

الكلمات نزلت على أبويا زي المرزبة اللي هدمت كل حاجة في لحظة. الدكتور سامح أخد نفس عميق، وحط السلسلة المقطوعة والقفل على الترابيزة، وبص لأبويا بصوت حاد وجاد:
– الإيذاء البدني والنفسي اللي تعرضت له البنت دي طوال الشهور اللي فاتت مرفوض قانوناً، والادعاء بوجود تعليمات طبية بالحبس والقفل إجراء غير مبرر.. البلاغ للجهات المختصة ولجنة حماية الطفل اتعمل رسمياً قبل ما حضرتك توصل يا أستاذ ناصر.

جدتي صرخت بارتباك:
– بلاغ إيه وطب إيه يا إنت؟! أنا جدتها وأنا اللي بربيها!

أبويا ناصر قرب من أمه، ولأول مرة في حياته، شفت في عينيه غضب وقسوة وكبرياء وندم يقطع القلب. نزل على ركبتيه قدامي، ومسك إيدي المرتعشة، ودموعه نزلت على إيديا بغزارة:
– سامحيني يا بنتي… سامحيني يا حبيبتي، أنا كنت أعمى وسايبك لقلب ما يعرفش الرحمة… أنا كنت فاكر إنها بتحميكي، وما كنتش عارف الحقيقة!

أنا حطيت إيدي الصغيرة على خده، ولمست دموعه وقلت بصوت هادي لأول مرة:
– أنا مش زعلانة منك يا بابا… أنا بس كنت عايزة الدعامة تتفك، وأتنفس من غير وجع.

أبويا قام وقف بصلابة، ووقف بيني وبين جدتي، وقال لها بصوت هز جدران العيادة الصغيرة:
– من اللحظة دي يا أمي.. إنتِ مالكيش بيت عندنا، والتجاوزات اللي عيشتيني فيها سنين، الجهات المسؤولة هي اللي هتحاسب عليها!

وصلت الجهات المختصة بحماية الطفل، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق في الواقعة.

بعد مرور أسبوعين..
الدعامة الطبية والسلسلة الحديدية اتفكوا تماماً من على صدري بأمر الأطباء في المستشفى الكبير بالقاهرة، وضلوعي بدأت تلتئم بسلام. أبويا أخد إجازة طويلة من شغله، وخدني في شقة جميلة ومشرقة بعيد عن القرية وعن بيت جدتي القديم.

في يوم دافي على شاطئ البحر..
كنت واقفه مع أبويا، وبصيت للسمات والأفق الواسع وقال لي بابتسامة مليانة حب وحماية:
– اتنفستي براحتك يا حبيبتي… من النهاردة مفيش أقفال، ومفيش سلاسل، ومفيش حد يقدر يحرمك من حريتك وضحكتك أبداً.

ابتسمت من قلبي وأنا باخد نفس عميق ودافي، وعرفت إن الحقيقة مهما انحبست بقفل حديد.. ربنا بيقيّض لها وقت تظهر فيه وتكسر كل السلاسل.

تمت

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى