قصص و روايات

كان عندي عشر سنين

“دلوقتي بقى فيه داعي.” استنينا أبويا. جدتي طلعتلي كيس بسكوت قديم من شنطتها: – “كلي.” كنت حلقي ناشف جدًا، لكن أكلت الأربع قطع كلها؛ مضغتهم بصعوبة وبلعتهم واحدة واحدة. وطول الوقت جدتي كانت بتتكلم كأن مفيش حاجة حصلت؛ مرة عن الغسيل، مرة عن مواعيد شغل أبويا، ومرة عن المطر وهل هيبوظ الزرع اللي في الجنينة، كأن السلسلة الحديد المقطوعة مش مرمية قدامها على ترابيزة الكشف.

 

لحد ما قربت مني وهمست في ودني:
– “إنتِ كده هتخلّي أبوكي يسيب شغله ويخسر يومه علشان الدراما بتاعتك.”

بصيت للأرض؛ شرابي كان متجمع تحت كعبي ومضايقني، وحاولت أعدله من غير ما أنحني علشان ضلوعي كانت بتوجعني، وبعد وقت حسيت إنه طويل جدًا.

باب العيادة اتفتح وأبويا دخل؛ كان لسه راجع من الشغل، هدومه عليها نشارة خشب، وجزمته كانت مربوطة بسرعة كأنه جري أول ما عرف. جدتي قامت فورًا وكالعادة دخلت في دور الضحية قبل ما أبويا حتى يسأل، وقالت:
– “بنتك عملت نوبة جنان تانية.”

أبويا بصلي وشي كان شاحب، وبعدين بص للدعامة المقطوعة وسأل:
– “هي حاولت تاني؟”

السؤال ده كان مألوف جدًا كنت عارفة إجابته، بس جدتي سبقتني وقالت:
– “من الصبح وهي عنيدة ومش بتسمع الكلام.”

الدكتور سامح رفع السلسلة الحديد المقطوعة قدام أبويا، فأبويا بص لها واتجمد وقال:
– “إيه ده؟”

جدتي اتغير صوتها فجأة وبقى ناعم وحنين:
– “ده بس اللي كان بيمنعها تأذي نفسها.”

أبويا حط إيديه على وشه، واضح إنه مش فاهم، وأنا كنت مستعدة إنه يعمل زي كل مرة.. يعتذر لجدتي ويقول لي:
– “اسمعي كلام تيتا.”

لكن المرة دي حصل شيء مختلف؛ أبويا نزل إيديه وبصلي وقال بهدوء:
– “يا حبيبتي… مفتاح القفل فين؟”

بصيت لجدتي وقلت:
– “تيتا معاها.”

جدتي ضحكت ضحكة مصطنعة:
– “دي بتنسى حاجاتها طول الوقت.”

بصيت لأبويا وقلت لأول مرة من غير خوف:
– “أنا أصلًا محدش اداني مفتاح.”

الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل. أبويا بص لجدتي، ولأول مرة من يوم ما عرفتها، جدتي شالت إيدها من عليّا. الدكتور سامح قرب من أبويا وقال:
– “إنت كنت عارف إن الدعامة دي متقفلة بسلسلة وقفل؟”

أبويا اتلخبط وقال:
– “أنا… كنت فاكر إنها لازم تفضل مقفولة.”

الدكتور سأله:
– “مين قالك إن ده إجراء طبي؟”

أبويا سكت وبص لجدتي. الدكتور كمل:
– “مين أقنعك إن القفل ده صادر من العيادة؟”

أبويا لف ناحية أمه ببطء، وشه كان بيتغير قدام عيني، وصوته خرج مرتعش:
– “ماما…”

جدتي ماردتش، وأبويا قرب خطوة وقال:
– “إنتِ قلتيلي إن العيادة هي اللي ادّتك القفل ده.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى